"وادي قاديشا"! هكذا عرفناه وسمعنا عن تاريخه السرياني-الماروني من خلال البرامج التلفزيونية التي كان يعدُّها الأب يوسف مونس في أسبوع الآلام من كل سنة تقريباً، خلال سنوات الحرب التي ألهَبَت لبنان بالنار وبالنور.
في ذلك الوقت لم يكن الانترنيت قد رأى النور فكنا مرغمين على الإكتفاء بما كانت تبثّه وسائل الإعلام الوطنية والمطبوعات الورقية من كتب، مجلات وصحف، كمنفذٍ لنا يريحنا من "نشرات الأخبار" والتحليلات السياسية التي كانت تعقبها وتسبب المشاجرات بين الكبار في الشوارع، في المنازل وحتى في الملاجئ، بالرغم من الرعب الذي كنا نعيشه.
الذي أذكره ان تصوير برامج الأب مونس كانت تقوم به دائماً طائرات هليكوبتر للجيش اللبناني، فترسَّخَ في عقلي وفي مفهومي، كفتاة لم تعرف وطنها الا في زمن الحرب، ان وادي "القديسين" ليس فقط عميقاً انما هو بعيد أيضاً بالمكان والزمان، فصار بالنسبة لي مزاراً "ميتولوجياً" موجوداً فقط في خيالي وفي ذاكرة التاريخ. حتى خلال زيارتي الأخيرة للبنان ومروري في المنطقة والتقاط بعض الصور "للوادي" لم أحاول البحث عن واقعية وجوده ربما لأن نهضة الإعمار والبناء التي احتدمت في كل الساحات لم تقربه ولم تذكره، وكأنه وادٍ مقفر الاّ من أرواح قديسيه.
هذا المساء وانا أتصفح "شاشات" جريدة النهار تجمدت أمامي صوراً وأسطر تناولت "وادي قنوبين" عنواناً ومضموناً، منتشلةً بذلك أديرته ومسالكها التاريخية-الروحية من النسيان. "خطة لتعزيز السياحتين الدينية والبيئية في وادي قنوبين" هكذا "عنونت" النهار الخبر والبرنامج التأهيلي، السياحي، الديني ... الذي "يندرج في سياق المحافظة على القيم الروحية والتراثية للوادي ويؤمن للسائح والزائر الارشادات الدينية عبر الموسيقى الروحية والالحان التراثية التي ستُبث ايضاً في حديقة البطاركة الموارنة في الديمان، اضافة الى تأمين البنى التحتية لاستقبال السياح".
وإذا بي أرى طائرات هيليكوبتر هادرة تبتعد... أيكون دورها قد انتهى ودروب القديسين قد فتحت؟ أتكون برامج الأب مونس التي أرغمتنا الحرب على حفظها كالصلوات قد عادت بحلة جديدة، لأطفال جدد لم يعرفوا "خطوط التماس" ولا حدة ألوانها "الفاقعة" والفاجرة؟
ورحتُ أسأل نفسي، لماذا إرتبَطَ هذا الخبر السعيد بذكريات الحرب البشعة في ذهني؟ ألأن المهرجانات قد اجتاحت لبنان ومعالمه التراثية-التاريخية، فخفتُ على القديسين من أن "يهشلوا" في "عجقة" الفنانين؟ أم أني أريد أن تبقى ذكرى "وادي قاديشا" وثيقة من وثائق الحرب التي اتصفت بالنور وليس بالنار؟ فلا الكتب ولا المقالات ولا الأشعار ولا النصوص قد تمكنت من نقل الحرب مثلما عشناها، من صفة الماضي المجهول الى فعل مضارع تعلم كيف يصير أمراً للسيادة في زمنٍ عرف الشعب كيف يقلب الأمور "رأس على عقب".
المهم في الأمر ان دروب "القديسين" لم تُغلق، أن عقلي الباطني لا زال يوثَّق يستنبط الصور يعرضها في سطحيات عصر "السلام" وتهليلاته القلقة. واني يا "وادي قنوبين" سأزورك هذه المرة وآغرف من أرضك "كمشة تراب" أمسح بها جبيني كلما ندّت عليه لآلئ التعب واغرورقت "حبيبات" الحنين في المقل.
* للذين يريدون قراءة الخبر عن "تأهيل وادي قاديشا فهو منشور في : "النهار" الإثنين 25 نيسان 2005 - السنة 72 - العدد 22291