Saad Salah Khalis
عضو جديد
|
احتضار ثقافة.. سعد صلاح خالص نشرت مجموعة اخرى من عشرات "الجيوش" و"الكتائب" و"السرايا" التي تملأ أرض العراق قرصا ممغنطا يصور ذبح شابين في عمر الزهور بدم بارد، بتلك الدعوى الشهيرة سيئة الصيت "التعاون مع الاحتلال".. الشابان تم تعريفهما بأنهما ريمون فاروق شمعون وفراس موفق هادي بطرس من الموصل.. ولأنهما لا يدعون "كريستيان شينو" و"جورج مالبرونو"، ولا هما "سيمونا توريتا" و"سيمونا باري" ، فلم يثر نحرهما اهتمام فضائيات "المقاومة" و"الجهاد" التي تصول فيها يوميا العشرات من العمائم واللحى من مختلف المشارب والمآرب، ولا صحافة العرب التي غدت لا تساوي قيمة ورقها، ولا حتى الاعلام العراقي المطبوع في الداخل والخارج أو الاثيري عبر الأنترنت المكتظ بالمواقع العراقية، ناهيك عن الحكومة العراقية المؤقتة. فالقتيلان من مسيحيي العراق، أي من أهل الذمة، مواطنو الدرجة العاشرة، عبدة الصليب، ذبائح الزمن الردئ، زمن يصبح فيه قطاع الطرق ابطالا وعميان البصائر أئمة.. لقد التحق ريمون وفراس بقافلة طويلة تتزايد يوميا من مواطني العراق من الديانة المسيحية الذن فقدوا حيواتهم تحت مختلف الشعارات القميئة، ابتداء من التعاون مع الاحتلال، مرورا ببيع الخمور ، واحيانا لكونهم مسيحيين وحسب، وهاجمت السيارات المففخة الكنائس ، ولم توفر رصاصات الغدر حتى فتيات يسرن في الشوارع ..ومن الواضح ان تهجير المسيحيين، أوغير المسلمين عموما، هدف من اهداف تلك الجماعات التي تسعى الى تحويل العراق الى ولاية اسلامية طالبانية، والتي يبدأ وعيها الفكري منذ الف وخمسمئة عام وحسب، فتحاول الغاء ما قبله، واغتصاب ما بعده. ولما كانت الذريعة والشعار هو الاسلام ، فالجميع يرتجف فرقا.. فمن يجرؤ على تحدى منطق العمامة المسلحة، وتبعات التكفير والاتهام بالردة في زمن اصبح فيه ذبح الانسان أسهل من ذبح شاة .. فلم يعد العراق عراق الخمسينيات والستينيات وحتى السبيعنيات، انه عراق جديد بصبغة طالبانية في اجزاء، وأيرانية في اجزاء اخرى، وما بينهما في بقية انحائه.. أما الحكومة، فلم يخرج خطابها عن العموميات، فهي في موقف لا تحسد عليه ، فبعض القائمين على هذه الجماعات شريك في السلطة ، وآخرون يساومونها يوميا على بضعة مصالح مقابل الاستقرار وايقاف العمليات المسلحة، بينما تبدو بعض أطراف الحكومة والاحزاب في شغل عن هذه "التوافه" بالتهريب ونهش ما تبقى من جسد هذا الوطن الجريح.. براءة الاسلام يبدو العالم الاسلامي الآن في جدل أشبه بما شهدته أوروبا قبل قرون، حول دور الدين وموقعه من السياسة، وقد اثارت عملية أوسيتيا التي أودت بمئات الأطفال رد فعل عنيف في الضمير الإسلامي (أوجزء منه). وقبل وقت قصير انتقل الجدل الى قلب المذهب الوهابي ذاته حيث تشهد السعودية وغيرها ولادة اجيال من الليبراليين الذين أخذ صوتهم يرتفع في تشريح "الحالة الاسلامية" الراهنة.. كما هو الحال في ايران ، القطب الاسلامي الآخر، حيث حقق ما يسمى بالاصلاحيين انتصارات ثقافية لا يستهان بها هزت عرش الولي الفقيه في السنوات الاخيرة. وبالتأكيد ، فإن مثل هذه التيارات الساعية للاصلاح من "داخل العقيدة" في هذا الجزء من العالم ستأخذ وقتا طويلا لتتبلور على شكل حركة فكرية، بعد ان تتحرر من سجن بعض "الثوابت" من قبيل "نحن على حق والآخرون جميعا على باطل" .. اننا جميعا نسعى لاثبات "براءة" الاسلام مما يحدث، ولكن من أين نبدأ؟ أن الموقف الاسلامي "الخجول" من اعمال ترهيب المسيحيين في العراق، كما من أعمال الذبح والقتل الجماعي التي تطال الجميع بدون تمييز في العراق وغيره، مثال على الحيرة بين مفهومين قائمين للاسلام، أولهما عام بأن الاسلام دين متسامح استوعب الآخرين واعترف بهم، والآخر "جهادي" متنامي القوة، يقتات على الفقر والظلم والاستبداد ، ويقسم العالم الى دار حرب ودار سلام ، الا ان كليهما يتفقان على أن هذه العقيدة "هي الحق الوحيد" ولذا فإن ما يتم باسمها يمكن تفهمه. ومسألة العقيدة في الاسلام، بحركاته الفكرية المتعددة، ابتعدت كثيرا عن المبادئ الروحية الاساسية القائمة على الايمان بالاله الواحد واليوم الاخر ورسله وانبيائه، لتصبح عبارة عن تنظيرات سياسية للحكم والسلطة وسيطرة اجتماعية مطلقة على مجمل حياة الفرد والمجتمع، وحلم سياسي كوني يتمثل باعادة نشر الاسلام عالميا بعد معركة فاصلة مع "الآخرين" الذين يصنفون جميعا كفارا، ليلتقوا مع متطرفي وعنصريي الجانب الآخر، اللذين ينّظرون بطريقة مماثلة ولكن بنتائج مختلفة.. والموقف الخجول ليس رسميا فقط، وليس من طرف رجال الدين فحسب، وإنما من المثقفين والنخب وحتى العموم.. فالاصطدام بالاسلام السياسي (أو النسخة الجديدة من الاسلام بوجهها اللادني أو القرضاوي أو الصدري) عملية غير محمودة العواقب، ليس خوفا من الله العزيز الرحيم، وانما خوفا من اصنام الارض الجديدة، التي تكّفر وتمنح الجنات وتحز الرقاب يوميا على شاشات الفضاء وسط تصفيق تلك النخب وتهليلها. اذا كان الاسلام بريئا من كل هذا المشهد الدموي، فيجب اعلان براءته من كل هذا الحشد المليوني من دعاة القتل، الرسميين منهم والمعارضين، ومن اطنان الورق التي انتجت عبر العقود التي تدعو للذبح والنحر المجاني، ومن كل من أغرق هذه الأوطان في بحار الدم بأسم الله والكتاب، ومن مناهج تعليم انتجت الحقد والكراهية وأودعت العقول في ثلاجات.. لم يعد اسلام اليوم اسلام محمد، بل هو اسلام بن لادن أو الزرقاوي أو الصدر أو خامنئي.. فويل لمن يناقشهم، وويل لمن يتصدى لهم، فهم انبياء العصر الجدد. ان تهجير مسيحيي العراق يتم وفق خطة منظمة، تنتزع من العراق وطنيته، وتفرض عليه صفة هجينة لم تكن له في يوم من الايام.. فلا مواطنة دينية الا في تلك الرؤوس المريضة، ولن يصح ان يكون للمسلم حقوقا في الارض اكثر من المسيحي وقد انجبتها تلك الارض معا، ناهيك عن سقط المتاع من الافغان والشيشان والعرب من مختلف الجنسيات.. رغما عن الجميع سيبقىالعراق للعراقيين، فهذا منطق الحياة ولن يصح الا الصحيح، والعراقيون ليسوا "الصدريين" أو "السيستانيين" أو"الضاريين" أو "الكبيسيين" فحسب، بل هؤلاء جميعا زائدا المسيحيين بجميع طوائفهم و الاكراد والتركمان والصابئة واليزيديين والملاحدة ومن لا دين لهم وكل من اغفلتهم، ويسع الاسلاميين وغير الاسلاميين والشيوعيين والقوميين والبعثيين وفوقهم واهم منهم جميعا ، الاغلبية الصامتة التي لا تعنيها تنظيرات الاحزاب ولا أوهام المعممين، قدر ما تعنيها لقمة الخبز وبعض الهواء النقي.. "حينما يطلق ألأرهابيون النار على ظهور ألأطفال الهاربين من صالة ألالعاب في مدرسه في جنوب روسيا فهذا يعني أن آخر الخطوط والحدود قد تم تخطيها."* هكذا صرح مسؤول أمني اوربي ، وهذا ما انتجه "تجار الدين" سواء عن وعي أو عن جهل.. وفي كلا الحالتين فإن آخر الخطوط والحدود قد تم تخطيها.. وحين يركز الاعلام العربي و"محللوه" على غباء الروس في اقتحام المدرسة وايقاع الضحايا.. يحلل العالم اجمع الثقافة التي انتجت اولئك الذين لم يتورعوا اصلا عن الاحتماء بظهور الأطفال وتفخيخهم.. هنالك ثقافة تحتضر، وما لم تعيد النظر في بنيتها ومنطلقاتها و"ثوابتها" ، وموقفها من الحركة الانسانية في العالم اجمع، فإنها الى زوال. * العبارة مقتبسة عن حوار صحفي منشور، ترجمة السيد حمد الشريدة.
اخبر الاداريين عن هذا الموضوع
|