في الخامس عشر من تشرين الاول ، اكتوبر 1996 ، توقف قلب ظل ينبض - لسنوات طوال - بالثورة على الظلم والطغيان . فجأة ، وبهدوء ، بنفس هدوئه المعهود ، طوى الصفحة الاخيرة من سجل حياة حافلة بالتحدي لكل اشكال القهر والاضطهاد .. هكذا ، رحل بطل من هذا الزمان . حفظت عنه ذاكرة الامهات ، قصصا واساطير تحكي عن فتى ، حلم بشعب سعيد في عراق اجمل و اروع . شخصية اجتماعية مرموقة ، وقائد عسكري بارز ، ذلك هو توما توماس - ابو جوزيف - الذي خلف برحيله ، الما وحسرة في قلوب رفاقه واصدقائه ومعارفه ، وكل من سمع بمآثره البطولية . ترى هل يمكنني بهذه الاسطر القليلة ، وصف ذلك الاصرار ، وذلك الامل المتفجر والمتدفق دوما ، وتلك الشخصية المتواضعة والمحبة للحياة . مناضل ابي ، ومقاتل عنيد ، كان شامخا كالجبال ، مكابرا بكل الامه ، مضحيا ، معطاءا ، ومتقدا بعنفوان لا يعرف الكلل . القوش ، البلدة العريقة بالتاريخ ، بلدة المواقف القومية الشجاعة ، احتضنت ولادته في اواخر 1924 ، ولم يكن قد بلغ العاشرة من صباه ، حتى تدفق غضب عارم من قلبه الفتي ، اثر معايشته لمأساة الاثوريين الهاربين من مذبحة سميل عام 1933 ، وهم يلتجأون الى القوش ، ليحتموا بها ، وفعلا هب ابناؤها الميامين يدافعون عن بلدتهم وعن اخوتهم في الدين والقومية ، فتركت تلك الوقائع لديه ، مرارة والما ، وتعلقا كبيرا بقوميته ، وابنائها المضطهدين ، اينما كانوا ، وحبا ظل يعتمر في صدره طوال حياته ، لبلدته الصامدة ورجالها الابطال . وصقلت الحياة ابا جوزيف ، في محطات عديدة ، لكن ابرزها كانت كركوك ، المدينة العمالية ، اذ فيها باشر تمارينه الاولى ، ووسط عمال النفط وجد ابو جوزيف طريقه الى الحزب الشيوعي العراقي ، و بفضل تواضعه وصدقه وتفانيه دفاعا عن العمال وحقوقهم ، انتخب سكرتيرا لاول هيئة ادارية لنقابة النفط في كركوك ، وباءت بالفشل كل محاولات ادارة الشركة في اغرائه لتعيينه موظفا دائميا ، لغرض عزله عن رفاقه واقرانه ، فقد ظل ابو جوزيف لصيقا بالمعدمين والفقراء ، فخورا بالانتماء اليهم ، ومعتزا بثقة العمال به .
وثانية تحتضنه القوش ، تفتح ذراعيها بحنان بعد اشتداد قبضة الارهاب والبطش والملاحقات، ليقود اثر انقلاب شباط عام 1963 مجموعة من الشيوعيين واصدقائهم ، مؤسسين اولى مقرات الانصار في منطقة بادينان . وخلال هذه المرحلة برز ابوجوزيف مقاتلا صلبا ، وقائدا ميدانيا شجاعا ، عرف بحكمته ودرايته بفنون القتال ، مما اكسبه ذلك احترام وتقدير قيادة الحركة الكردية المسلحة وخاصة المرحوم الملا مصطفى البارزاني .
وانصب غضب السلطات الرجعية المتعاقبة ، على القوش ، لاعتقاله تارة ولاستباحة البلدة واركاعها تارة اخرى ، فكان ورجاله مدافعين اشداء عنها ، ودخلوا العديد من المعارك والمواجهات المسلحة ، وتمكنوا من دعم صمودها ... فغدت القوش بحق ، امثولة فخر ، ومأثرة خالدة بين البلدات والقرى في المنطقة ، صامدة ، شامخة ، شموخ دير الرهبان هرمز المتربص فوق جبلها ... لقد تمكن ابو جوزيف ، وبجدارة القائد المحنك ان يجمع بأبداع بين نضاله الوطني ، ومواقفه القومية المعروفة ، وبهذا الصدد كتب في مذكراته : (( عندما ساهمت بالنضال الوطني من اجل سعادة الشعب العراقي ، كنت مؤمنا بأن ابناء قوميتي وابناء بلدتي القوش ، هم جزء من هذا الشعب ، وخدمتهم تصب في مجرى نضالي الوطني )) ومن هذا المنطلق كان حريصا على التعاون مع الشهيد الاشوري البطل ( هرمز ملك جكو ) بكفاح مشترك جمعهما لسنوات ، فكانا مفخرة يعتز بها الكلدواشوريون في كل مكان ، وتمكنا من زرع الخوف والرعب بين صفوف اعداء الشعب . ومن هذا المنطلق ايضا ، كانت مواقفه الحازمة والصلبة ضد اي شكل من اشكال المساومة ، خلال محاولات عديدة جرت لتغيير الهوية القومية لابناء شعبنا الكلدواشوري . وفي نهاية السبعينات ، وبعد اشتداد هجمة النظام الدكتاتوري ، التحق بكردستان ، قائدا بارزا في حركة الانصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي .... مواصلا نضاله رغم كل محاولات النظام بأستهدافه عبر الاغتيال او التسميم او عبر الضغط عليه من خلال ملاحقة عائلته وممارسة كل اشكال الاضطهاد والارهاب ضدها ، واعتقال احد ابناءه الذي غيب منذ 1980 ، كل ذلك لم يثني من عزيمته ، بل كان يشعر بمزيد من الفخر من تماسك عائلته والتصاقها بحزبها ورفاقها . خاض ابو جوزيف ، ولاكثر من اربعين عاما غمار كفاح شاق وطويل ، وتحمل الاهوال والمصاعب والنكبات ، لكنه ظل قويا متماسكا وشامخا كجبل القوش .
عدد المساهمات: 52 | تاريخ الانتساب Sep. 2004 | تاريخ الارسال: 11:04 am on Oct. 16, 2004 | IP
katchou
عضو فعال
حفظك الله وجميع اخوتك يا منى ورحم الله ابا جوزيف الذي سيبقى رمزا من رموز القوش الشامخة،لقد كان مثالا للتضحية والنضال والعنفوان والسياسي والقائد المحنك ، سيبقى ابد الدهر في قلوب محبيه وفي ذاكرة التأريخ . تحياتي الى اخي وصديقي صلاح وجميع الاخوة. فائز وديع كجو