الدستور وبابسط المفاهيم هو الوثيقة التي منها تنبثق كل القوانين لتنظم الحياة في الدولة من تشريعية وتنفيذية وقضائية، وهو الوثيقة التي يجب ان لا تتعارض معها فحوى كل القوانين التي تتبع صدور الدستور، من خلال ايجاد الالية المناسبة لذلك كأن تكون مثلا المحكمة الاتحادية العليا كما جاء في مسودة الدستور العراقي المقترح لتراقب مدى دستورية القوانين الصادرة، وهو الوثيقة التي تضمن قدسية بنودها من خلال عدم السماح بالتغيير فيها الا بآليات محكمة التطبيق بحيث لا يصبح الدستور الوسيلة القانونية التي بها يضطهد الشعب وتسلب حرياته وحقوقه وكرامته كما كان في دستور النظام المقبور وتحديدا فيما كان يسمى بالمادة (42) السيئة الصيت، والتي كانت تجيز لمجلس قيادة الثورة اصدار اي قانون باسم الدستور حتى لو كان مضمونه بالضد من فقراته وبنوده، هذا اضافة الى كون الدستور الضامن القانوني للحريات الشخصية في كل مناحي الحياة من سياسية واجتماعية وثقافية ودينية واقتصادية وغيرها وكذلك يعتبر الضمانة لتطبيق وتجسيد كل المواثيق الدولية التي اقرت من أجل حماية كرامة الانسان وصون حقوقه.
فمن خلال هذه الضرورات التي يجب ان يضمنها الدستور كثوابت ومبادئ، نرى ونقر بمدى الصعوبة التي واجهت العراقيين وهم يصوغون دستورهم، هذا كله مضافا اليه الظروف التي فيها يصاغ هذا الدستور من ضغط الآلية التي يجب اتباعها والمحدودة بسقف زمني لا يمكن تجاوزه او لا يحبذ تجاوزه كونه يرتبط بشكل مباشر مع ضغط العامل الثاني وهو الوضع الأمني والذي تعتبر تنفيذ كل الخطوات السياسية المرسومة للانتقال بالعراق من الوضع الانتقالي الى الوضع الدائم احدى أهم أركان عملية التصدي للارهاب الوافد الينا ووأده، فأي تأخير أو تعطيل للعملية الدستورية هي مكافأة للارهاب، وعليه كان الوضع الأمني هاجسا وعاملا ضاغطا على مجمل القائمين بصياغة الدستور، وليس خافيا على المتتبع للشأن السياسي ضعف أو قصور العامل الوطني في تفكير الفرقاء الكبار في عملية الصياغة، فكل فريق يرى ويفكر بان هذه اللحظة التاريخية ليس من الممكن تكرارها دائما وعليه تثبيت اكبر قدر ممكن من المكاسب والتي تتطابق مع ايولوجيته الحزبية اكثر مما هي ثوابت وقيم مستقبلية وطنية، وهذا حتما لا ينطبق بشكل مطلق على الكل، فدور بعض القوى منها القوى اللبرالية كالقائمة العراقية وقائمة التحالف الكردستاني في محاولتها وضع العراق على أول سلم التطور والتحضر بوقفتها امام محاولات فرض النمط الاسلامي في صياغة الحريات والمبادئ الديمقراطية من قبل الأحزاب الدينية الاسلامية كان واضحا وملموسا ومشكورا في نفس الوقت، ففي الوقت الذي لم تستطع فيه وضع دستور علماني يتناسب مع العصر ومتطلباته استطاعت تحييد العديد من الفقرات التي تشجع على تلجيم الحريات بحجة تنافيها مع ثوابت الاسلام فمثلا في
((الباب الأول المادة (2)
اولاً: الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر اساس للتشريع:
أ- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
ب- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور.
ثانياً: يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والايزديين والصابئة المندائيين. ))
جاءت الفقرات (ب) و (ج) للحد من تحكم الفقرة (أ) ولكن في نفس الوقت يتوارد الى الذهن تساؤل مهم، كيف التوفيق في التطبيق بين هذه المتطلبات الثلاث؟ علما انها تجميع للمتناقضات!! وهنا ربما سيكون اصرار كل طرف على عدم الدستورية استنادا الى احدى هذه الفقرات سببا في التعطيل بدلا من التقدم نحو الأمام وخاصة انه بعد التصديق على الدستور واجراء الانتخابات على ضوئه هناك ما يقارب الأربعون مادة تحتاج الى قانون ينظمها، وهناك سيكون مربط الفرس في التفسير والاجتهاد والتعارض!!.
واعتمادا على المبدأ التوافقي الذي تم تبنيه في عملية صياغة الدستور تحققت مسودة الدستور بالشكل الذي يمكن القول عنها بانها افضل الممكن وذلك كون كل الفرقاء قد حققوا الحد المطلوب من مطالبهم وبالأخص قائمتي الائتلاف العراقي والتحالف الكردستاني المدعومة بالأغلبية في الجمعية الوطنية، وحتى من سموا بالمغيبين استطاعوا تحقيق الكثير من مطالبهم من خلال مبدأ التوافق ماعدا ما تبقى من مطاليب يصرون عليها والتي حقيقة تنبعث منها رائحة التعصب العروبي والافكار البعثية السابقة والتي تعتبر مصدر قلق كل العراقيين المكتوين بنار الدكتاتورية، وكون هؤلاء المغيبون يتفاوضون من دون ان تكون لهم مرجعية انتخابية تدعم قراراتهم لذا رأيناهم يحاولون دائما ارضاء كل الفرقاء السنة والذين تتراوح الاختلافات بينهم أشدها من دعاة للتكفير الى دعاة للمشاركة السياسية الفاعلة في بناء المستقبل، واليوم فهم أمام امتحان عسير يؤكد حقا بانهم كانوا يتكلمون بالنيابة عن الكل في حال تمكنهم من افشال الدستور في الاستفتاء العام المقرر في 15/10 أم انهم كانوا يجاملون تيارات معينة تحت طائل التهديد أو الخوف في حال فشلهم في تمرير رفضهم له في الاستفتاء القادم وان الغد لناظره قريب.
وان كان الدستور قد جاء بأفضل الممكن للعراقيين، فما بالنا نحن الآشوريون منه!!
بدءا ذي بدء فنحن الآشوريون عراقيون، وعليه فان كان الدستور بالنسبة للعراقيين أفضل الممكن فانه كذلك لنا أيضا من زاوية التظر العراقية للأمور، ولكن من زاوية النظر القومية للدستور فهناك أمور عدة يمكن تسجيلها بالشكل الذي يمكننا القول بانه كان من الممكن ان يكون تثبيتنا وحقنا القومي في الدستور بحال أفضل مما جاء به، أي انه ليس أفضل الممكن لنا قوميا.
فبالرغم من ان شعبنا لم يكن في يوم من الأيام عبر قرون طويلة متحدا في المسمى، فاننا نعتبر ترسيخ هذا التباعد وتثبيته في الدستور هي عملية شرعنة لهذا الاختلاف واعطائه مظهرا مختلفا عما كان عليه عبر هذه القرون، فتحول الاختلاف في التسمية من اختلاف وتفسير مذهبي الى اختلاف وممارسة قومية هي بحد ذاتها نقطة تخلف وتراجع مخيف، من الممكن ان تبعثر كل الجهود القومية الخيرة التي بذلت لاعطاء حقوقنا القومية بعدا اكثر وجدانية ووحدانية على أرض الواقع والذي لتبعثر أبناءها في الشتات وتبعثرها ديموغرافيا في الوطن كان بأمس الحاجة الى هذا التوحد الدستوري كي يعطي لشرعنة القوانين اللاحقة بالدستور قوة أكثر في التطبيق، لا أن نبقى اشلاءا لا يمكن جمعها حتى من خلال اشد القوانين فذلكة.
ليس بخاف على أحد رغبة الكنائس الجامحة وقياداتها بالسيطرة على كل توجهات رعاياها كي تبقى هي المسيرة الرئيسية لدفة الشؤون الدنيوية اضافة الى تسليم الكل بأحقيتها في الشؤون الروحية، وتعصب هذه الكنائس جمعاء للتفسيرات اللاهوتية التي تولدت بعد نشوء كنيسة المسيح بقرون كانت السبب دائما في انشقاق الكنائس على نفسها ومنها كنيستنا كنيسة المشرق والتي ليست استثناءا عن كل كنائس العالم، وبقيت هذه الانشقاقات عاملا فاعلا الى يومنا هذا في تفرقنا وتشتتنا وفي تحمل مصيرنا القومي الموحد والعمل على تحقيق الأفضل له.
فاذا كان واقع الحال هذا أمر مسلم به، فكيف والحال بمنح الكنائس جواز التدخل في الشأن السياسي لشعبنا من قبل العديد من الفصائل السياسية وعلى رأسها الحركة الديمقراطية الآشورية واستخدامها لرسائل القيادات الكنسية ومباركاتها وفتاواها قميص عثمان لتمرير تكتيكاتها الحزبية القصيرة النظر وعلى رأسها ضرب الأحزاب السياسية وابعادها من أن يكون لها أي دور سياسي ملموس!! فكيف واليوم نتجرأ بلوم الكنيسة في تلبيتها لدعوة الحركة الديمقراطية الآشورية لها بممارسة السياسة وتبعاتها؟ أليست الحركة وكنا تحديدا من استخدم رسالة مار كوركيس الى غارنر (قبل مجئ بريمر) بتزكيته كونه فقط من يمثل شعبنا وبعدها اشراك مار عمانوئيل دلي وبقوة في استحصال التوصيات والتزكيات العديدة!! فكان بهنام بولص مرشح البطريرك للوزارة وحكمت حكيم مرشح البطريرك للجمعية الوطنية الانتقالية الأولى والتسمية الكلدوآشورية قد بوركت وأفتى بها البطريرك وآخرها قائمة الرافدين التي نالت ايضا تبريكاته وغيرها العديد العديد!! من المزايدات والرهانات الخاسرة لبطل الحلبة وجمهوره الذي لربما يكون قد خاب ظنه في قيادته الضرورية.
أليس بعد كل هذا من حق الكنيسة وحسب طموحاتها وأجندتها ان تغير من ادواتها التنفيذية!! بعد نفاذ العقد السياسي المبرم مع الحركة ورئيسها كنا!! هذا ما أكده قداسته مار دلي في رسالته الى لجنة صياغة الدستور بان الكلدوآشورية كانت عقدا سياسيا، اي ما معناه، اليوم من حقي ان انهي العقد مع كنا لأجدده مع أفرام والحكيم!! وبعدها مع من أشاء حسب ما تريده وتطمح اليه الكنيسة واستقلاليتها في زمن الحريات!! وباقي رؤساء الكنائس ليسوا استثناءا من وجهة النظر هذه الا بقدر حجم عقودهم السياسية وطموحات كنائسهم وفاعلية ادواتهم!!. فلا نلوم الكنائس على آلياتها بالقدر الذي نلوم به احزابنا وتحديدا طرفي المعادلة التنافرية كنا من جهة وافرام والحكيم من حهة أخرى لتقديم أنفسهم أدوات طيعة لتسهيل نفاذها.
هذا الحماس للمشاركة في اللعبة السياسية من زاويتها القومية الدنيوية من قبل كل كنائسنا من دون استثناء انساهم واجبهم الأهم وهو ضرورة توحدهم ومشاركتهم بقوة في ابداء رأيهم في ضرورة احترام الدستور للديانة المسيحية والتي هم حاملي رايتها والتي لولا القوى الكردستانية والليبرالية الأخرى لكان الدستور قد جاء على الأخضر واليابس معا في مفهوم الحريات والمعتقدات الدينية، فنرى ديباجة الدستور قد ذكرت حتى الشيعة والسنة كمذاهب ولم تأت على ذكر الديانة المسيحية ودورها الفاعل في رفد أرض العراق وحضاراته المتعاقبة بأهم عامل للتطور الا وهي العلوم ودورها الجليل في ترجمة جل ما كتب في الحضارة الاغريقية الى العربية، وايضا تناست الديباجة ما مورس من ظلم وتدمير بالكنائس المسيحية والتي يناهز عمر الكثير منها الألف سنة من قبل نظام صدام الدموي، ألم يكن من الأجدر والأنسب ان تتولى الكنائس قياة معركتها التاريخية هذه، بدل شرع السيوف بوجه بعضها البعض الآخر دفاعا عن التسميات كواجهة قومية للدفاع عن تفاسير لاهوتية ابتدعها اليونانيون لنبتلي بها نحن ابناء وطن النهرين!!!
اما عن اداء السادة كنا ونوري في لجنة صياغة الدستور فلنا عليهم الكثير من التساؤل عن دورهم واداءهم في اللجنة هذه، فالسيد نوري بالرغم من خبرته المتواضعة في السياسة وفنونها فانه كان واضح في مسعاه على الاسترشاد برسالة البطريرك مار عمانوئيل دلى في تثبيت التسمية الكلدانية كتسمية قومية منفصلة، أي انه لم يعمل على تثبيت التسمية القومية الموحدة بل عمل على ترسيخ التجزئة.
أما السيد كنا والذي أصبح الضيف الدائم الحضور في كل الآليات السياسية ها منذ عام 1991 سواءا أكانت برلمات أم وزارات أم مؤتمرات أو حتى لجان!!! فانه استمر على سياسته المعهودة في العمل على قنص الانتصارات وتجييرها لصالح شخصه أولا ومن ثم حركته، غافلا أو هاملا الضرر الذي سيلحق بقضيتنا فيما اذا لم يستطع اقتناص الفرصة!! فعمل وبسرية تامة مستغلا علاقاته الشخصية التي تراكمت عبر السنين الطويلة لتمرير ما يراه لصالحه من تسمية وهي بالطبع التسمية المركبة!! ناسيا ان موازين اللعبة وقنواتها المؤثرة قد تغيرت اليوم وبريقه الشخصي قد خفت أو تلاشى تأثيره، وعليه جاءت الرياح هذه المرة بغير ما تشتهيها سفينته، فكان حري به وهو العضو في لجنة صياغة الدستور ان يكون متواصلا مع ابناء شعبه وبشفافية متناهية كي يستطيعوا ان يكونوا عونا له في اللجنة عبر تحريك الشارع وجماهيره في الضغط على اللجنة، لا أن ينتظر الى اللحظة الأخيرة وتأتي النتائج بغير رضاه ليبدأ بالتباكي ومطالبة الشعب بالضغط على اللجنة لتغيير ما تم الاتفاق عليه وأما مرأى عينيه، لماذا لم يحرك أدواته الاعلامية والتي دائما ما تكون على أهبة الاستعداد يوم يراد لها الاساءة الى حزب أو بطريرك أو كاتب أو اي لا يتفق وطروحاتهم؟ لماذا لم يهدد ولو اعلاميا بالاستقالة من اللجنة يوم رأى بان النقطة الوحيدة التي هو موجود هناك من أجلها ويتحمل مسؤوليتها من كل فقرات الدستور تجزأ شعبنا؟ ما فائدة وجوده في اللجنة وهو لا يستطيع الدفاع عن ما أوكل به من مهمة قومية أو حتى لم يحاول الاستنجاد بالقوى السياسية لشعبنا؟ وحتى مبادرات اللحظة الأخيرة في الاعتراض على ما جاء في المسودة لم تأت منه بل جاءت من الدكتور كورئيل ايشو خامس عضو الجمعية الوطنية !!
نعم كانت هناك امكانية حقيقية ليكون الدستور في تناوله وتعامله معنا أكثر انصافا لو توفرت النيات والوعي القومي المطلوب ولو استطاعت بعض القوى التعلم من تجاربها بالشكل الذي ترمي وراءها كل التعفن في الفهم وقراءة الواقع.
وختاما أقول بان الدستور ليس كتابا منزلا لا يمكن تغييره أو تعديله فعليه علينا العمل وبجدية على ترسيخ وحدة شعبنا والتي هي حقيقة قائمة لا تلغيها تنظيرات سياسية أو فتاوى دينية.