"غزوة مانهاتن" والحرب على الإرهاب
سليمان يوسف يوسف
التاريخ: , 10 سبتمبر, 2005
يوم 11 أيلول 2001، وقف العالم مذهولاً وهو يشاهد، انهيار برجي مركز التجارة العالمي في منطقة مانهاتن في نيويورك، بطائرات مدنية أميركية، خطفتها مجموعات انتحارية من تنظيم "القاعدة" الإسلامي المتطرف، وقد وصف زعيم التنظيم اسامة بن لادن عملية ضرب البرجين بغزوة مانهاتن، وما يقوم به تنظيمه بـ"الإرهاب المحمود" ضد قوى "الكفر العالمي" بذريعة أن "الولايات المتحدة الأميركية والغرب" يتحملان مسؤولية ما يعانيه العرب والمسلمون من فقر وبؤس وتخلف وإذلال.
من طرفه أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش "الحرب المفتوحة"- وقد شبهها بـ"الحرب الصليبية"-على ما سماه بـ "الإرهاب الدولي"، وعلى كل من يمول ويدعم هذا الإرهاب، بدأها على نظام طالبان في أفغانستان، الذي كان يأوي ويرعى تنظيم "القاعدة" ومن ثم على العراق تحت شعارات مختلفة، ويواصل بوش تهديداته بضرب دول أخرى في المنطقة، يتهمها بتمويل وتسهيل تسلل الإرهابيين الى العراق في مقدمتها سورية وايران.
من دون شك، أن احداث11 ايلول وتفاعلاتها، خلقت الظروف السياسية والنفسية وهيأت الأجواء والمناخات الإقليمية والدولية للتدخل الأميركي والأوروبي المباشر في المنطقة. ومع اتساع الهوة بين حكام دول المنطقة وشعوبها، ورهان كل من السلطة والمعارضة في هذه الدول على الخارج في تقوية مواقعه وكسب المستقبل السياسي لصالحه، سيمهد لمزيد من هذا التدخل، وسيزيد الوضع تعقيداً وصعوبة في المنطقة، ويفتح باب المواجهة بين الأنظمة القائمة وشعوبها.
وما يؤكد هذا التوجه: صدور القرار 1559، الذي بموجبه خرجت القوات السورية من لبنان، وإسناد مهمة التحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري الى (لجنة دولية) بصلاحيات مطلقة في استجواب كائن من كان، داخل لبنان وخارجه، وإلزام جميع الأطراف المعنية بالتعاون مع لجنة التحقيق وقبول نتائج التحقيق وتوصيات رئيس اللجنة ديتليف ميليس، وقد أشيع بأنها، مقلقة ومخيفة، للبنان وسورية، بعد توجيه الاتهام لضباط أمنيين من البلدين، بالضلوع في هذه الجريمة.
ما من شك، بأن التهديدات بنشر الاضطرابات والقلاقل (الفوضى البناءة) في العراق وعموم دول الشرق الأوسط، من قبل صقور اليمين المتطرف في الإدارة الأميركية، تعكس مدى الإحباط الذي يسيطر على هذه الإدارة، بسبب ما تتكبده قواتها من خسائر في العراق، وتذمر الأميركيين من ارتفاع فاتورة الحرب على الإرهاب بشكل باهظ في المال والأرواح، فاقت التوقعات، ولا يبدو أن الحسم سيكون قريباً.
فرغم من اسقاط نظام، صدام والطالبان، والانتصارات العسكرية التي حققتها القوات الأميركية في كل من أفغانستان والعراق، لكنها لم تحرز تقدماً ملموساً وكبيراً في القضاء على التنظيمات الإرهابية، لا بل استطاعت هذه التنظيمات ان تنفذ عمليات ارهابية جديدة في قلب أوروبا(تفجير قطارات المترو في كل من مدريد ولندن)، ومع اتساع رقعة انتشار القوات الأميركية في المنطقة، زاد عدد التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تقاوم وتحارب الوجود الأميركي.
وهناك خشية حقيقية من دخول العراق المقسم، الذاهب في طريق التقسيم الى النهاية، نفق الحرب الأهلية والصراعات العرقية والطائفية، فيما إذا خرجت منه القوات الأميركية وتركته بوضعه الراهن، من غير سلطة ومؤسسات قادرة على ضبط الأمن وإدارة شؤون العراقيين.
بطبيعة الحال، أساءت أحداث ايلول، وبشكل كبير، للعلاقة بين الغرب (الأوروبي ــ الأميركي) والشرق (العربي ــ الاسلامي)، حيث ما زالت آثار ونتائج تلك الأحداث، تلقي بظلالها على هذه العلاقة بعد مضي أربع سنوات عليها.
فقد فرضت تلك الأحداث، ليس على أميركا وحدها المتأذية، وإنما على معظم دول الغرب الأوروبي، اجراء عملية مراجعة جذرية وشاملة لعلاقاتها بالشرق العربي الإسلامي، الذي أهدى العالم أفضل ما لديه من خبراء في (الإرهاب الدولي)، ليضربوا أكثر المراكز والأبنية أهمية وحساسية ورمزية، في الولايات المتحدة الأميركية. وقد عكست، هذه الضربات الإرهابية الخارقة، طبيعة العقلية الظلامية التي تتحكم وتسيطر على التنظيمات الإسلامية المتطرفة والعداء الذي تحمله لقيم الحداثة ولأخلاق العالم الحر.
أعتقد بأنه من المهم جداً أن يؤسس لعلاقة جديدة بين الشرق والغرب، تقوم على احترام كل طرف لمصالح وحقوق وثقافة الطرف الآخر، وتستند هذه العلاقة الى حقيقة موضوعية متمثلة بكون كل من الشرق والغرب، كيانات سياسية وثقافية واجتماعية تاريخية متمايزة، تختلف في نظرتها ومفاهيمها للحياة والإنسان والكون والمستقبل.
إن ما يحدث اليوم في المنطقة من أعمال عنف وعنف مضاد، على خلفية ما حدث لأميركا في الحادي عشر من ايلول 2001، يمثل قمة الإفراط في الإرهاب المطلق والعبث بمصير العالم.
إنها أحداث جسام، اهتز لها التاريخ، كما اهتز لها رهان الإنسان على القوة في تحديد وتطويع مسار التاريخ. ربما ما يحدث هو أحد تجليات (قانون التصادم) بين مسارات- صراع صدام الحضارات، بحسب نظرية صموئيل هنينغتون-التاريخ والقوى المحركة للحضارات، رافضة أن تكون للتاريخ "نهاية" كما يرى و يرغب بذلك فرنسيس فوكوياما.
سليمان يوسف يوسف ...كاتب سوري آشوري مهتم بحقوق الأقليات
.shosin@scs-net.org [/size]