نساء طروادة ينتحبن دماً في بغداد
المخرجة البريطانية أن نفيل تنقل مشهدا تراجيدياً عراقياً الى مسرح انكليزي
كرم نعمة
لندن
ايقظت المخرجة البريطانية آن نفيل حساً تراجيديا عميقاً من زمن قبل الميلادة لتعيد رسمه على طرقات بغداد، حيث الجرح ينز دمعاً اكثر من الدم!
في هذه المسرحية (نساء طروادة) التي كتبها يوربيدس عام 415 قبل الميلاد، وتنبع قصتها من تراجيديا (نساء طروادة) حول الحرب الطاحنة التي دارت بين الطرواديين من جهة واليونانيين من جهة أخرى، ودمرت المدينة عن آخرها...والمتواصل عرضها حاليا على مسرح THE QUESTORS THEATRE في العاصمة البريطانية لندن يحضر العراق بهيئته تحت الاحتلال: جدران مثقوبة من اثر الاطلاقات، طرقات مليئة بالبقايا المحترقة للعجلات والدبابات، حواجز كونكريتية كتب عليها بالعربية والانكليزية (كلا للمحتلين.. كلا للعملاء .. نعم للعراق الواحد.. يسقط رئيس الوزراء الصغير.. ممنوع دخول الايرانيين) ليكتشف المشاهد في النهاية ان السبي الطروادي ليس سوى صورة معاصرة عن نساء عراقيات ملثمات بالسواد ينتحبن بمرارة ويعاتبن الله عمن جرى ويجري لهن ( ياالهي لكم صليت لك دون أن تسمع صوتي!!)، مع انه ليس ثمة اشارة في النص الى العراق.
جنود يتفحصون التذاكر
العراق في هذه المسرحية حكاية أكثر من حزينة يتحسسها المشاهد قبل دخوله الى رواق المسرح الدائري عندما يواجه بجنود مدججين بالاسلحة بهيئة بريطانية وامريكية يتفحصون تذكرته قبل دخوله في جزء يسبق العرض ويهيئ المشاهد الى خضوعه لاجواء الاحتلال.
المسرح وخلفيته مقطع واضح من بغداد تحديدا حيث استثمر المصصم بيتر كولونس الواجهة التاريخية للجامعة المستنصرية بمقابل بيت عراقي تقليدي يتضح فيه السطح المكشفوف، (قال لي انني اعرف عشق العراقيين للنوم على السطح ليالي الصيف) فيما قطعت نهاية المسرح بجدار يشبه الى حد كبير جدار الاعظمية العازل وكتبت عليه باللغة العربية والانكليزية جمل تندد بالاحتلال والحكومة العراقية.
أذن ليس سوى العراق على هذه الخشبة الانكليزية ونساء طروادة المنتحبات هن العراقيات اليوم فهدايا الحرب: كوة صغيرة.. جرح.. أشبه بالمسافة بين اليدين.. إنه التضارب الذي يخترق جلودنا، أجسادنا، وحياتنا..
اشتعلت طروادة آنذاك ، كما تشتعل بغداد الان، كل شيء دمر تقريبا، قتل (هكتور) و(بريام) كحال كل رجال المدينة، بينما بقيت النساء.. الملكة (هيكوبا)، ابنتها (كساندرا)، كاهنة أبولو (أنروماش) و(هيلين).
اقتيدت النساء كجواري، فاختار كل محارب امرأة، وانقلب المصير رأسا على عقب، ضاع كل شيء، لا بد من مغادرتهن لبلادهن.. ركوب البحر.. وهجر رماد المدينة المحروقة، والذكريات التي التصقت بالأماكن، محظوظ هو من مات في وطنه ولم يذق مأساة الموت في المنفى..
ذات العذاب الذي رفع أصواتهن بالنحيب العراقي حد ان الممثلات الانكليزيات تعلمنه بشكل لافت، ، كان الألم مهولا حتى أنهارت قواهن في وسط الخراب.
صوت كساندرا يشرق كالهذيان
في نهاية الحرب الوحشية قتل (أستيانت) الصغير ابن (هكتور) و(أنروماش) بإلقاءه من أعلى برج للقضاء على نسل الأبطال،أدى الدور طفل بعمر ست سنوات كانت هيئته معبرة بشكل لافت وعندما أدى دور الميت جلب الانتباه له لولا حركة صغيرة من يده!
وسط كل هذا الدمار أشرق صوت كساندرا كالهذيان، معلنا اكتمال الخراب، لكن دون جدوى، لأن قدرها كان ألا تـُـسمع، واليوم تراقب أسى الملكة هيكوبا، ودموع أندروماش بمصرع ابنها.
أحرقت النار كل شيء، ففي هذه الحرب ليس من منتصر ومهزوم، كأنها لم تكن أصلا (النصر هو الهزيمة الأكبر) قالت كساندرا، كان الصوت الذي لا يقهر في نحيب الطرواديات العراقيات شاهداً وضحية للحرب في ذات الوقت، بأرواحهن حملنها على أكفهن، في انفجار الحياة منهن، وعلى الرغم من الموت والدمار والهزيمة الحتمية.
ينتهي العرض بحمل الطفل المقتول على وسادة الموتى في موكب تشييع تضرب فيه النساء على صدورهن وجباههن في مشهد مقتطع من الحياة العراقية القائمة الآن.
عندما سالت المخرجة آن نفيل التي تنحدر من اصول ايرلندية وتدرس مادة المسرح واللغة، كيف تسنى لها عكس الدمار الطروادي على مايحدث في العراق: قالت أن السؤال يتكرر بمرارة في فمها وفم الملايين الاخرين لماذا ولماذا الذي يحدث في العراق الان، من اجل اي شئ!
أنني اتفهم _ تقول آن التي احتفلت بسنتها السادسة والستين_ ان تذهب القوات لازاحة نظام ديني متخلف مثل طالبان في افغانستان، لكن في العراق هل تستطيع ان تجيبني لماذا؟
وعندما سالتها لو تسنى ليوربيدس أن يستيقظ من رقاده ويشاهد أنها نقلت نساءه الملكومات من طروادة الى بغداد هل يوافقها؟
قالت آن نفيل: بلا شك سيرى الجرح العراقي أعمق من الجرح اليوناني.
اتقان النحيب العراقي
في هذا العرض الذي جسدته نخبة من الممثلات والممثلين الهواة يكشف ان المشهد العراقي برمته لم يعد محلياً، بل تطول تاثيراته الحسية العالم، والا كيف يتسنى لنا تفسير براعة ممثلة شابة بعمر العشرين عاماً وهي تتقن النحيب العراقي تماماً مثلما تشاهده يومياً من على شاشات التلفاز؟
المخرجة آن نفيل ترى في جانب اخر ان المراة العراقية تعيش وطأة الصراع الدامي والا هي ليس تلك المحجبة الخائفة الوحيدة، تقول: أنا متأكدة أنها(العراقية) أكبر بكثير مما نشاهده على شاشة التلفاز.
أعتمد العمل الذي استمر أكثر من ساعة بقليل على موسيقى حاولت عبر اله الفلوت تقليد الناي العراقي الحزين، لكنها لم تف بالغرض تماما وبدت ضعيفة في بعض المشاهد، كما ان اصوات الانفجارات كانت من القوة والضخامة جعلت بعض المشاهدين سد آذانهم، وبدت مبالغ فيها أكثر مما ينبغي، واذا كانت مصممة الازياء جوزي توماس قد نجحت في تقليد الازياء العراقية عبر ماحصلت عليه من صور فوتغرافية مختلفة للمراة العراقية، ونجح مصصم الديكور بيتر كولونس في تهيئة خشبة عراقية بامتياز، وكان أداء الممثلات تلقائياً معبراً الى حد كبير وكأنهن عراقيات عشن التراجيديا القائمة، فأن أدوار الجنود البريطانيين والامريكيين تبدو كم يؤدي دوراً شائعاً ولايفتعل الغلاظة والقسوة!! فالجندي البريطاني يقوم بدوره بريطاني ايضاً وليس كما النساء اللواتي أدين دوراً لنساء عراقيات وبامتياز!
قد لاتجد هذه المسرحية صدى يليق بها في وسائل الاعلام البريطانية، ربما لعدم احتراف كادرها ولتقديمها على نطاق محلي في مدينة لندن، لكنها في النهاية تكشف دون مواربة ان العراقيات وهن يرزحن تحت كاهل الدموع ليس وحدهن قط، ثمة من يشعر بهن.. وآن نفيل وزميلاتها الاخريات كن كمن ينقل مشهداً مفعما بالتراجيديا من بغداد الى لندن.
المسرحية: نساء طروادة TROJAN WOMEN
المخرجة: آن نفيل
مصصم الديكور: بيتر كولنس
الممثلون: هانسلي بينيت، كارولين بليكلي، ستيفاني بويل، ساره بروثول، كلير كوبير، أنتوني كيران، ماري ديفز، تارة داود، دنيس دراكوب، ميلان فرناندو، هاري فيزجيرالد، لويز كافانغ، نيل لاسي، دان ماكسويل، لويزا نورمان، ليندساي بيرسون، فنيسا بليساس، ستيوارت سيزنس، مايكل سميث، ألن سوبير، ايزا اربانوويسز، ميشيل ولدوك، كاثي والاس وجينيفر وودورد.
كرم نعمة: محرر موقع الف ياء على الانترنت
karamnama@azzaman.comwriters@azzaman.comeditor@alefyaa.comaynews
ayms
ابو فرات
مع الود