إسلام متنوّر وإسلام.....؟
عبدالرزاق الصافي
مرت يوم الجمعة الماضي ذكرى ميلاد الإمام علي بن أبي طالب (ع) وذلك يوم الخامس عشر من شهر رجب، المصادف 19 أغسطس 2005
وجرى الاحتفال بهذه المناسبة على نطاق واسع، نسبياً، هذا العام، داخل العراق وخارجه. وكانت مقترنة باليوم الذي تجري فيه صلاة الجمعة، الأمر الذي أدى إلى تناول موضوع الذكرى في عدد من خطب الجمعة في الجوامع التي يؤدي فيها المسلمون صلاة الجماعة. كما خصصت فضائية العراقية برنامجاً خاصاً بالمناسبة.
وكان متوقعاً، ومنطقياً، ان يجري تناول هذه الذكرى بشكل متفاوت، تبعاً للموقع والاتجاه الذي يعتمده خطيب الجمعة، أو المتحدث بالمناسبة أو الباحث في الندوات المخصصة للذكرى.
ويهمنا في هذا السياق ان نتذكر بعض اللمحات الإنسانية في فكر الإمام علي (ع)، لما لها من صلة وثيقة بواقعنا الراهن، وضرورة الاهتداء بها من قبل من يتصدون للشأن العام، وخصوصاً في هذ المرحلة التي دولتنا العراقية في مرحلة تأسيسها الجديد، واقامة النظام الديمقراطي الاتحادي الذي يضمن وحدة العراق أرضاً وشعباً.
وأول هذه اللمحات في فكر الإمام علي (ع) هي العدل والمساواة بين المواطنين دون تمييز، وبمعزل عن الدين أو الجنس أو العرق. فالإمام يوصي عامله على مصر الصحابي الكبير مالك الاشتر، بالعدل بين الرعية، والمساواة في ما بينهم، فهم، على حد قول الإمام، “إما اخ لك في الدين، أو اخ لك في الخلق”. وهو بهذا يساوي بين المسلم وغير المسلم. ويطبق ما سبق ان قاله النبي الكريم (ص)، وأكده هو: “من آذى ذمياً فقد آذاني”.
واننا اذ نورد هذه اللمحة الانسانية، كأول لمحة، فلكي نبيّن مدى بعد الزمر التي ترتكب الأعمال المنكرة بتكفير الاخوة المندائيين عن الاسلام، ومحاولة اكراههم على الدخول في الدين الاسلامي، على الضد من الآية الكريمة “لا اكراه في الدين”، مؤذين بذلك النبي الكريم (ص) والإمام علياً (ع)، رغم ادعاء هذه الزمر انها من “شيعة علي”. وكذلك مدى ابتعادها عن قيم الدين السمحة عندما تعتدي على المواطنين من الطلبة الذين اقاموا احتفالاتهم في احد متنزهات البصرة قبل أشهر.
وثاني هذه اللمحات في فكر الإمام علي (ع) هي ضرورة اخذ التطور بنظر الاعتبار، في التربية، وفي الاحكام التي ينبغي ان تتطور بتطور الأوضاع وتبدلها. فالإمام يقول: “ربوا أولادكم على غير ما ربيتم به، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم” اي ان التربية يجب ان تتغير وتتبدل بين جيل وآخر، فما بالك في ما يجب ان يتغير ويتبدل في عشرات بل ومئات الاجيال؟!
والإمام علي (ع) هو القائل “ان معروف زماننا هذا منكر زمان مضى. ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت بعد”. فاي فكر ثاقب هذا، الذي يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه لتطوير الاحكام بتطور الأزمان.
وفهم الإمام علي (ع) للآية الكريمة “وأمرهم شورى بينهم”، هو الفهم الوحيد الذي يقرب مبدأ الشورى من مبادئ الديمقراطية كما نفهمها اليوم. فقد سبق للخليفتين أبي بكر الصديق (رض) وعمر بن الخطاب (رض) ان استشارا في أمور تخص المسلمين، ولم يلتزما بما قال به المستشارون، إذ لم يكن ما اشار به هؤلاء المستشارون ملزماً لهما، حسب فهمهما لمبدأ الشورى.
أما الشورى في نهج الإمام علي (ع) فهي كما يقول: “من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ”. وان للجماعة ملء الحق ـ كما يقول الاستاذ جورج جرداق ـ في ان يطالبوا الوالي بـ “ألا يحتجز دونهم سراً ولا يطوي دونهم أمراً”. كما اوصى الإمام علي (ع) ولاته ان “الزموا السواد الاعظم، إن يد الله مع الجماعة”. “وفي هذا النهج، كما يقول الاستاذ جورج جرداق، الذي يجعل الجماعة وحدها مصدر السلطة، ويجعل العمل لخير الجماعة غاية هذه السلطة ارساء لما نسميه اليوم، حكم الشعب، أو الديمقراطية”.
ولم يقتصر فكر الإمام علي (ع) على المساواة وطلب العدل وعدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات، بل أكد على تكافؤ حقوق الإنسان دفعاً للفوضى والفساد.
وكان يرى ان حق الانسان على المجتمع ان يقوّم المجتمع ما يعطيه المواطن، ثم ان يأخذ المواطن من المجتمع بمقدار ما أعطاه. أما إذا حصل هذا المواطن من المجتمع على أقل مما اعطى، فإن جزءاً من نصيبه يكون قد ذهب إلى غيره. وإذا ما أخذ من المجتمع زيادة عما اعطى، فإنه بذلك يأخذ من نصيب غيره. اي ان هذا الغير يجوع بما أخذ. وبذلك يكون غاصباً ظالماً. “ووجود المظلوم والظالم في المجتمع مفسدة” لهذا المجتمع، ومفسدة في موازين العدالة الاجتماعية.
ومن أقوال الإمام علي (ع) بهذا الصدد: “ما رأيت نعمة موفورة، (أي زائدة عن حاجة الإنسان) إلا وإلى جانبها حق مضيع”. و”ما متع غني إلا بما جاع به فقير”.
وكان يعادي الاحتكار ويقول: “اياك والاستئثار بما الناس فيه اسوة”. ويعادي الفقر حد القول: “الفقر في الوطن غربة”، و”لوكان الفقر رجلاً لقتلته”.
تلك هي بعض اللمحات الإنسانية في فكر الإمام علي (ع)، جرى استذكارها في ذكرى ميلاده، ما احرانا بالتبحر بها، ونحن نسعى لبناء مجتمع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ودولة القانون، حيث لا تمييز ولا ظلم، بل مساواة تامة في الحقوق والواجبات من أجل خير الفرد والمجتمع.
واننا إذ لم نتطرق لمدعي الإسلام، من الارهابيين والقتلة، فلاننا لا نرى في هؤلاء إلا اعداء للاسلام الحقيقي، الدين الذي تحيته السلام عليكم، وجوهره النصيحة، و”أحب لأخيك ما تحب لنفسك”. و”المسلم من سلم الناس من يده ولسانه”.[/size]