كلام في السياسة
الانتحاريون وغسل الادمغة
عبدالمنعم الاعسم
/مرة، قال شيخ الجامع الازهر الدكتور محمد سيد طنطاوي، وهو يعبر عن شفقته على الفتيان الاسلاميين الانتحاريين انهم تعرضوا الى عمليات "غسل دماغ" لكي يقتنعوا بقتل انفسهم بذريعة إعلاء كلمة الاسلام.
/ وقبل هذا، في الجزائر، تم اكتشاف اكثر من حالة عصاب"هستيرية" واحدة كنتيجة لعملية "غسل دماغ" بين مقاتلين متطرفين نكّلوا بعائلات قريوية كاملة بعد بسملة وحوقلة واستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
/ وفي لندن عكف مختصون نفسيون على تحليل نزعة تدميرية لدى شبان بريطانيين، من اصل باكستاني، بادروا في السابع من تموز الماضي الى عمليات انتحارية فقتلوا انفسهم وما يزيد على خمسين من المدنيين العابرين، وقد ناقش الصحفي المعروف باتريك سيل فرضية تعرض هؤلاء الشبان الى عملية "غسل دماغ" مديدة من قبل دعاة، او خطباء يجيدون التهييج، لكن السفير الباكستاني في لندن منير اكرم علق على الموضوع قائلا انه" لا يمكنك غسل دماغ شخص ما فورا ما لم يكن لديه ميل لذلك" وكأنه يريد ان يؤكد سابقة الروح الاجرامية على مسبوق عمليات غسل الدماغ، وبمعنى ما: ليس كل دماغ يستجيب لحزمة الاكاذيب والهرطقة والسالب من التعاليم، فثمة ما هو مستعد، وثمة ما هو عصيّ
/ ان علماء النفس اثبتوا بان دماغ الكائن الحي قد يمر في امتحان يجعله عرضة للحيرة والارتباك، بل ويمكن له ان يُغسل خلال عملية تطهير، او عبر محاولات ترويض وازاحة عادات وعقائد قديمة لكي يبقى الدماغ مسطحا، وفي حالة استعداد لتقبل عادات وافكار جديدة، وهي عملية ايحائية تتسلط على العقل بسطوة النص الملغّزعبر حلقات احتفالية صاخبة تنتهي، في كل مرة، بالتهييج العصبي الذي يقرب الضحية من حالة الاغماء، والاستسلام الى ما يسميه علماء النفس "التمذهب" الذي يتحقق في مجال العقائد والايديولوجيات والطوائف والغيرة القومية او الوطنية المتطرفة، او في مجالات العلاج من العوارض، وصدمات الحروب والكوارث، او في حدود تقاليد محلية مركبة كما هو الحال لدى طائفة دينية في كارولينا الشمالية تعتمد على الانفعالات واستخدام الافاعي لتغييب رقابة العقل، او غسله تماما.
/على ان الانسان، قبل ان يكون انتحاريا في العراق، او متمذهبا متطرفا في شرق العالم، او من اتباع ديانة الافاعي في امريكا، او من مهووسي القتل في ارياف الجزائر، كان من الناحية العلمية، يملك دماغا في حالة سليمة ومتوازنة وعادية، بل ان نتائج عمليات التشريح التي جرت لأدمغة العالم الفرنسي رينيه ديكارت والموسيقار الالماني باخ وعالمة الرياضيات السويدية سونيا كوفالفسكي، وغيرهم، اثبتت انْ لا فوارق تذكر بين ادمغة اولئك الافذاذ وادمغة العامة من الناس، وقد يكون اينشتاين قد تشكك (ويقال عائلته) في هذه النتائج فاوصى بالتبرع بدماغه لخدمة البحث العلمي، غير ان عالم الباثالوجيا الامريكي توماس هارفي الذي كلف بالفحص والتشريح اعلن انه لم يعثر على دالّة غير عادية في دماغ عالم الفيزياء الراحل.
/والمعنى الاول، هنا، ينزل منزلة الاتهام لاولئك الذين يتولون عمليات استدراج دماغ الانسان الى اجواء من الانفعال والتهيّج والعزلة الاحتفالية، ثم غسله، ثم حقنه بالكراهية والاجرام، ثم اطلاقه بين الجموع، كمقاتل انتحاري، حيث جاء-حسب هذه الهرطقة- اوان إفناء الجسد ووقت معاقبة تلك الجموع بالموت وصولا الى الجنة.
/والمعنى الثاني يتمثل في تحوّل شريط حدودي في خاصرة العراق الى مختبر فسلجي لغسل الادمغة وتطبيقاته ما يعيد مؤشر التاريخ الى العقد الثاني من القرن الماضي يوم افتتح العالم الروسي ايفان بافلوف مختبرا في مدينة بطرسبيرج لكلابه المختارة، وقد اقدم على غسل ادمغتها وصارت تؤدي افعالا انعكساية مصممة، ربما لدرجة الاستعداد على القيام بهجمات انتحارية، غير ان فيضانا لنهر النيفا غمر اقفاص الكلاب بالماء وكادت ان تموت لو لم تستعيد ادمغتها السابقة التي استدلت بها الى النجاة .
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com