هل نعاني انفصالا في الشخصية؟؟
ليس تعدد الشخصية مرضا أو حالة تصيب قلة من الناس، إنما يمكن أن نراه في شخوص قريبة منا وقد نجده في أنفسنا دون أن نعي أو ندرك الحالة
التي ننفصل فيها عن شخصيتنا السابقة.
سوف أوضح هذا الأمر من خلال التطرق إلى عامل مسبب لهذه الحالة وهو النظام الأسري.
تعتبر الأسرة تنظيما إداريا قويا يحاول المحافظة على تماسكه وتناغمه وانضباطه الاجتماعي. حيث يشكل كل فرد في الأسرة جزءا لا يتجزأ منها، ولكل دوره
وشخصيته والتوقعات المنتظرة منه، بدءا من الأب (رب الأسرة) إلى الأم إلى الابن الأكبر فالأوسط فالأصغر. لكل شخصيته المختلفة، وذلك طبقا لمكانته في النظام
الأسري ولما يوجبه المجتمع من تصرفات له ومن تطبيع يدخله فيه فيصمم دوره وشخصيته وتفاعله ومساهمته في بناء الأسرة وتشكيلها.
مع الوقت ومع انتقال الفرد من فترة زمنية إلى أخرى، تبدأ شخصيته بالتبلور ويبدأ باكتشاف غاياته وأحلامه واكتشاف "الذات" التي يود الوصول إليها
وتحقيق "الذات العليا". فنرى أن الفرد يظل عضوا اسريا حين يكون داخل الاسرة، يظل كما هو مع تغييرات بسيطة وليست جذرية، يظل ما توقعته الاسرة وما
تنتظر منه، غير انه يصير ما يريد حين ينفصل مؤقتا عنها: حين يخرج إلى العمل، أو إلى ملاقاة أصدقائه أو إذا كان وحيدا في غرفته، نجد الفرد ينفصل عن
شخصيته السابقة والمألوفة ليصير "الذات" التي تبلورت مع الوقت و"الذات" التي بُنيت وعُلقت عليها أحلامه وأمانيه، يصير "هو هو"، أصير أنا أنا، يصير ما يختاره وما
اختار لنفسه أن يكون. غير ان "الذات" تجد صعوبة في عرضها كما هي داخل الأسرة، إذ ليس سهلا أن يفرض الإنسان ذاته وشخصيته المبلورة والمختلفة أمام
نظام قوي ومتين يفرض ترتيبات معينة وتوقعات معينة، وليس سهلا أن تقبل "الذات" المنحرفة عن الحدود الأسرية.
لذلك قد نجد غالبيتنا العظمى تعيش انفصالا في الشخصية، انفصاما واعيا وغير واع، مدركا وغير مدرك، حفاظا على البناء الأسري وهروبا منه.