الضـحالـة
عندما يكون الماء غير عميق، نسميه ماء ضحل، وعندما يكون ضحلا وغير متحرك اي لا يجري نسميه ماء راكدا وعندما يبقى راكدا لمدة طويلة نسميه ماء اسنا وهو الماء ذو الرائحة الكريهة العفنة، والعقل عندما لا يتعمق بظواهر الامور ويحاول ادراك ابعادها ليتوصل الى الحقائق، يكون عقلا ضحلا، وعندما لا يناقش هذا العقل الامور لكي يفرز الصح من الخطاء يكون عقلا راكدا، وعندما لا نستعمل هذا العقل بل نجعله اسير الة يتحكم البعض بها من بعد يكون عقلا اسنا يفرز اعمالا واقولا كريهة واجرامية.
قبل سنوات عدة كنت عضوا في الهيئة الادارية للنادي الثقافي الاشوري ابجد (ܫܘܬܦܘܬܐ ܡܪܕܘܬܢܝܬܐ ܐܬܘܪܝܬܐ ܝ ܐܒܓܕ)، وكان حاضرا في زيارة المانيا السيد الشماس اندريوس يوخنا رئيس المركز الثقافي الاشوري في دهوك (حاليا عضو المجلس الوطني الكردستاني عن الحركة الديمقراطية الاشورية) وكان من الطبيعي ان يلتقي بنا كون اهتمامنا مشترك لاننا نحمل نفس الصفة وهي الثقافة، وكون النظام الداخلي للنادي الذي انتمي اليه يحرم دعم طرف سياسي او مذهبي بعينه، فحاولت معرفة كم المركز الثقافي الاشوري مرتبط بالحركة الديمقراطية الاشورية من خلال طرح بعض الاسئلة التي لم اقتنع باجابات السيد الشماس اندريوس حولها لانني اعرف انها اجابات مراوغة باحسن حال وكاذبة بالحقيقة ولو انني في نفسي كنت مصمما على عدم الوقوف في وجه اي تعاون ان تم الاقرار به، وكان يرافق السيد الشماس اندريوس مسؤول تنظيم المانيا للحركة الديمقراطية الاشورية حينها، وعندما رأي وسمع استفساراتي، لم يتمالك نفسه فقام مزمجرا معربدا مزبدا واصبعه موجهة لي قائلا انت عميل انت جاسوس انت مخرب اي ثلاثة تهم صدامية كل منها عقوبتها الاعدام وشكرت ربي انني خرجت سالما لانني في المانيا ، اذكر هذه الحادثة ليس لاهمية الشخص بل لاهمية الاستنتاجات التي يمكن ان نخرج بها لمعرفة الضحالة واسبابها.
فالضحالة العقلية والثقافية تأتي من عدم استعمال العقل الا بادنى درجاته، هذه الدرجات التي تسير الغرائز، فالشخص اعلاه لم يمارس ما مارسه لانه يمتلك حقا ولو ادنى شك بي وباخلاصي فقد كان صديقا ونسامر معا ونتزاور، الا ان الذي دفعه لهذه الممارسة هو الخوف، والدفاع عن النفس عند الخوف هي حالة غريزية لا فكرية، تندفع الاعضاء لوقف الهجوم او الاعتداء سواء كان اعتداء حقيقيا او متخيلا، فهذا الشخص ما كان له في السياسة خبرة جقيقية الا تجربة في الاتحاد الوطني لطلبة العراق اي في تنظيمات البعث الطلابية، ونحن ندرك ان تنظيمات البعث ما كانت مكانا لاكتساب تجارب توسع المدارك، بل كانت حلقات لاستلام الاوامر ونقل التقارير عن الاخرين ونشاطاتهم و حتى علاقاتهم الجنسية وهي تجربة اقل ما يقال فيها انها تهين انسانية الانسان، هذا الشخص عندما سمع ما اقوله حول دحض اقوال الزائر احس انني اكشف اسرارا في غاية الخطورة تهدده في منصبه ومكانته لدى زعمائه الجدد، الذين منحوه هذا المركز، ولانه كان يشعر بنفسه كطاؤس والاخرين ما هم الا دجاجات تنحني له، شعر ان مكانته ستهتز وعرشه سيزول، بتوجيهه هذه الاتهامات لي كان يدافع عن نفسه، لانه لم يستلم مكانته نتيجة للمعارف والخبرات التي يمتلكها فالحظ هو الذي جعله قائدا لكي ينفخ ويتوعد ويهدد، ولو في مجتمع صغير كمجتمعنا الاشوري في المانيا، بالطبع لا اعتقد ان قيادته انبته على مثل هذا التصرف، لانه تصرف اعتيادي ممارس، بل يمكن القول ان هنالك تشجيعا على مثل هذه الممارسات، لاسكات الخصوم وحشرهم في زاوية الدفاع عن الذات.
الضحالة الفكرية او الثقافية تكاد ان تغرقنا في يم لا قرار له، تسحبنا الى الخلف ليس بالسنوات ولكن بالعقود تعيدنا للتمسك بقيم وعادات وقوانين ليس ملائمة لا للزمان ولا للمكان، ويا ليت تمسكنا بهذه القوانيين لقلنا انه لدينا قانون نتمسك به، بل هو كله ادعاء فارغ وتكاذب مفضوح ينكشف في اول تجربة.
مظاهر الضحالة تكاد تشيع في المجتمع على انها الحقيقة المدوية، اما التفكير المرن والعميق والمتزن فماله الانزواء والتقهقر والصمت وان حاول البعض رفع راية قول الحقيقة سيجدون امامهم من يسكتهم ويوصمهم بما وصمت انا، ولم افعل الا ما يأمرني به النظام الداخلي للمؤسسة التي كنت انتمي اليها، هذه الفقرة ليست تبريرا للذات او هربا من تحمل المسؤولية، ولكنهت واقع حال يمكن تلمسه في كل المؤسساتنا واغلب مواقف هذه المؤسسات، هذه المواقف التي شجعت على شيلني واشيلك باسم الامة ووحدانية قيادتها، وكل يسير في فلك لا يسأل عن المصير فمادام اليوم عال فالف لعنة على الغذ، وان كان الغد يتحمل ضريبته ابنائي واحفادي.
لنعود الى تجربة اخرى عشتها وهي التجربة الفاشلة لاعتيال الاخ روميل شمشون شموئيل عضو قيادة الاترنايي، بالطبع الحزب الوطني الاشوري لم يعلم بخلفيات مسألة اصابة السيد شاهين (الذي اصيب صدفة بدلا من السيد روميل)، ولكن من مقر فرع دهوك للحركة خرجت المعلومات وعمت، والحكومة القائمة حينذاك والتي كان السيد يونادم يوسف كنا وزيرا فيها هي التي حققت وقضائها هو الذي اصدر الاحكام، الاترنايي كل ما فعلوه انهم نقلوا مظلوميتهم لاخوتهم الاحزاب الاشورية، فما كانت ردة فعل هذه الاحزاب، تصديق تكذيبات الحركة، ولكن بعد كل هذا الزمن وبعد ان اكدها اعضاء قياديون في الحركة من خلال استقالاتهم، هل تحرك احد لكي يدين الممارسة، اي ليس لاهمية السيد روميل شمشون بل ان مثل هذه الممارسة ان عمت فستشل العمل القومي وتدمره وتجعله اشلاء كل يحتمي بالاخرين من بني جلدته، وهذا يؤكد ان اغلب تنظيماتنا لا يهتم بالانسان الاشوري بقدر اهتمامه بمصلحة انية متناسين ان الاهتمام بحقوق الانسان كان سببا ليعيشوا احرارا في بيئات غريبة عنهم، لم يتم تدارك الكثير من الممارسات بل تم غض الطرف عنها لحين استفحالها وشيوعها واعتبارها ممارسات طبيعية وعادية في العمل السياسي، فالكذب الفاضح يتم السكوت عنه، وادخال الكنيسة ورجالها في السياسة مرة ومرة الدعوة الى خروجهم من السياسة النقيضين يتم القبول بهما، لا بل ان حالات من السلب العلني حدثت باسم مساعدة المناضلين والقروتاني واعتبر ممارسيها ابطالا، اما الكذب فاعتبر من شطارة السياسين وكل من لا يكذب فهو جبان رعديد.
الضحالة هذه الحالة المستشرية اعطت لكل شخص الحق في التكفير والافتاء بالقتل وافناء للخصوم، لمجرد انهم يخالفون في الرأي، هذه الضحالة لم تسمح بطرح سؤال منطقي لمن يقترف هذه الجرائم لماذ اذا هربت او غارضت جحيم صدام مادمت تمارس ما مارسه، الا يثبت هذا الامر كذب ودجل الشعارات القومية والحقوق والانسانية والوطنية، فلبنة الوطن والقومية والانسانية هو الفرد الواحد، ان لم نحترمه فلن نحترم المجموع، وان لم نحترم عقله فهل سنحترم حقوقه ونعمل من اجلها.
في صمت القبور الذي نعيشه بعد مسودة الدستور العراقي، هل تم محاسبة احد، ان الجاني الاكبر معروف للجميع، هذا الجاني والاساليب والاعمال التي اوصلتنا الى هذا الدرك، كلها مكشوفة، كان هنالك شخص استغل ببراعة رغبة الجميع في بداية جديدة للعمل القومي، وقد سحب البساط من تحت اقدام الكل، ووزع الغنائم على من يطعيه طاعة عمياء، وهو بكل صلافة يقول ان الاخرين يطالبون بمناصب، ولكن لم يسأله احد ان كنت زاهدا في المناصب لماذا استوليت عليها جميعا لك ولزبانيتك؟ لم يسأل احد ان لم يستلم الاخرين منا صب كيف سيمكنهم من اظهار سياستهم بشكل عملي، ان ما يوقولونه في صحفهم محتاج الى ان يحتك بالواقع وهذا يحث من خلال مناصب وادارات يستلمونها في الدولة، وكانت النتيجة عندما رأى البعض تكويشته على كل الامتيازات، ان وقفوا وبصراحة لا مراء فيها، هذه الصراحة تقول مصالحك ليست مصالحنا، لا بل ان امتك ليست امتنا وسندافع وسنستميت من اجل ما لنا، ولتذهب الى الجحيم، وهكذا كان فلم يذهب شخصا الى الجحيم بل وحدة شعب، ولذا انصح الوحدويين من الاخوة الذين يقولون عن انفسهم الكلدان، محاسبة من فرط بالوحدة، واعلان البراء منه قبل كل شئ ليكون لقولهم صدى، مع عدم اضافة اسماء وهمية او من دون استئذان اصحابها.
ان ضحالتنا السياسية جعلتنا نعتقد او البعض من انه القوة الاقوى القادرة والمتمكنة من فرض اجندتها، وهذا البعض لم يدرك ان الاخرين ببعض التحالفات والتكتيكات وكشف بعض المستور يمكنهم من سحب البساط وقلب الطاولة على رؤوسهم ورؤوس الجميع، كانت لعبة على وعلى اعدائي فالاخوة اصبحوا اعداء بعد استيلا احدهم على كل المغانم، واليوم ان تحدث البعض بالتاريخ يتحدث الاخرين بالواقع، وان اصدر الوحدويون التجديد الخامس يصدر الانفصاليون التجديد السادس عشر ان لم يكن السابع عشر وكل يريد الحصول على حقوقه بركل الاخر، اما رفع اعلام حزب اذاقنا انكسارا واشبعنا اكاذيب منذ خمسة عشر سنة، فيذكرني بالمدائح التي انهالت على صدام بعد ما سمي بام المعارك، او بالتمسك بجمال عبد الناصر بعد حرب الايام الستة، او البكاء على كيم ايل سونغ بعد وفاته.
والضحالة تسمح لنا بأن نقول المتأشور، ولا ادري من هو المتأشور، فكيف لانسان يقر انه اشوري لانه يتكلم السورث وينتسب لارومة وتاريخ ويمارس عادات معينة ان يكون متأشورا، هل لهذا البعض ان يفرق بين الاشوري والمتأشور وبين الكلداني والمتكلدن والسرياني والمتسرين لا بل الاشوري والكلداني، ان اندفاع البعض في الانفصال لحد الشماتة او زرع المزيد من الاحقاد والضغائن يرينا كم ان الضحالة شائعة بيننا متمكنة منا لا بل هي قائدتنا في مسيرة التراجع، فما جرى في مسودة الدستور ايها السادة وحسم الامر بهذا الشكل هو الصراع على المصالح الانية بين شخصين وكان صراع كسر العظم اقول مرة اخرى دفع شعبنا ثمنه ويسير في تأجيجه بعض السذج وذوي النيات الحسنة.
فهل نترك الموتى لكي يقبروا موتاهم؟[/b]