(ثورة تموز..ثورة الفقراء على الأغنياء)
محمد علي محيي الدين قيل وكتب الكثير عن 14 تموز الخالد،فالوطنيين والديمقراطيين واليساريين على وجه الخصوص ينعتونه اليوم الأغر بالثورة،فيما يركز أقطاب العهد البائد ورجال الدين السياسي والقوميين والمتضررين منها،على نعتها بالانقلاب،وإذا أردنا الدخول في صحة أي المصطلحين،سنضطر للدخول في تفصيلات قد لا تضيف شيئا لما قاله المؤيدون لها والناقمين عليها،ولعل الأوفق لإرضاء الطرفين القول أنها ثورة انقلابية،غيرت الواقع الفاسد إلى ما هو أحسن منه،فالقائمين بها من الضباط تؤازرهم الطلائع الواعية من الشعب العراقي،من الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين الأحرار،الذين أسهموا في التخطيط لها وتنفيذها،أرادوها ثورة شعبية عارمة تدك صروح الاستعمار وأذنابه من عتاة الرجعية،وإفشال المخططات اللئيمة لحلف بغداد،ولعل المشاركة الشعبية لإنجاحها تجعلنا محايدين باحتسابها في عداد الثورات التحررية الناتجة عن تحالف الجيش والشعب،لتغيير نظام ملكي فاسد بنظام جمهوري،وأكثر القائلين بأنقلابيتها هم من يجعل من الانقلابات السوداء بدأ ب 8شباط الأسود وانتهاء بانقلاب البعث الأبيض،ثورات شعبية تحررية،لأنها تتماشى وفكرهم المريض في التسيد القومي والفكر الشوفيني المعادي لكل ما هو وطني شريف،لذلك سنبتعد عن الخوض في مثل هذه الأمور خوفا من زعل علماء القومية العربية،وزعماء الدين الجديد،ونترك ذلك لرأي الشارع العراقي العريض في ثورة تموز وقائدها ،وما قدمت من مكاسب وانجازات،لم تستطع الحكومات القومية المتعاقبة أنجاز جزء منها طيلة أربعة عقود من هيمنتها على السلطة في العراق،رغم قصر عمر الثورة وتحالف أكثر من أربعون دولة على محاربتها والتأمر عليها،بالتنسيق مع أحزاب وشخصيات ومؤسسات كثيرة قد نشير إليها في ثنايا المقال،ولو قيض دارس لتاريخ العراق الحديث،يكتب بحيادية تامة بعيدا عن الهوى والعاطفة والانحياز إلى جهة ما،لكانت ثورة تموز وقائدها من أكثر الصفحات نزاهة في تاريخ العراق القديم والحديث،رغم وجود الكثير ممن عملوا في أدارتها وحاولوا الإساءة إليها وإسقاطها من القوميين والبعثيين والرجعيين الذين كانوا بحكم مواقفهم يعملون على تقويضها والانقضاض عليها،وقد تحقق لهم ما أرادوا في 8 شباط الأسود من خلال تضافر الكثير من الجهات التي جمعها هدف واحد هو إسقاط الثورة وإنهائها،والانتقام من مفجرها خدمة لأسيادهم المستعمرين الذين أصابت الثورة مصالحهم في الصميم،وأفشلت مخططاتهم القذرة للهيمنة على ثروات الشعب العراقي،وكان التوقيع على قانون النفط بمثابة الحكم النهائي بالإعدام ،كما ذكر ذلك بعض المقربين من الزعيم الذي قال لوزرائه (تعالوا نوقع على إعدامنا)وكانت المجازر التي رافقت الانقلاب المشئوم خير دليل على نظافة التيارات القومية التي طالما تسترت بأبراد الدين واتخذت من رجاله حلفاء لها في محاربة خصومها،وستبقى تلك المجازر وصمة عار في جبين دعاة القومية ومن صافقهما من رجال الدين،الذين مهدوا للانقلاب،بأوراقهم الصفراء،وبياناتهم التحريضية التي دفعهم إليها ارتباطهم بالجهات الأجنبية المتضررة من الثورة،ولكن عرسهم لم يكتمل بعد هيمنة البعث والتيارات القومية فسرعان ما قام هؤلاء بمحاربة حلفاء الأمس،وإنهاء وجودهم المعنوي والسياسي،وشن حملة إبادة طالت الكثيرين ممن كانوا عونا لهم في قتل الثورة وزعيمها،وكان جزائهم جزاء سنمار .
واليوم بعد مرور قرابة نصف قرن على ثورة تموز،وبعد أن أصبحت جزأ من التاريخ،وبعد تعاقب الكثير من الرؤساء على أدارة دفة الأمور في البلاد لو أجرينا استفتاء نزيه عن أفضل زعيم حكم العراق بين الأحتلالين لوجدنا أن كفة الزعيم الراحل هي الراجحة لما تمتع به من روح وطنية خالصة،ونزاهة نادرة المثال،ونكران ذات لم نجده لدى الذين حاربوه من رجالات الدين أو السياسة،على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم،ولا أعني أن زعيم الثورة خال من الهنات والأخطاء،فهذا ما لا يمكن لبشر أن يكونه وأن تعلق بأذيال السحاب،ولكنه الوحيد الذي لم تتلطخ أياديه بدماء الأبرياء،أو تدنس سمعته بسرقة المال العام،فقد عاش بسيطا ومات بسيطا،حتى أصبح أسطورة في التفكير الشعبي،وأحلوه بما لم يحظى به زعيم آخر،من حمو رابي إلى مام جلال،فلم يمتلك عقارا ،أو يحتجن مالا،وعاش على راتبه يتقاضى راتب عميد في الجيش لا يزيد على راتب أقرانه الذين في الخدمة،ورفض المخصصات المقرة لرئيس الدولة في سابقة لم تكن مألوفة بين الزعامات العراقية ،وهو ما يعطي نموذجا جيدا لنوابنا وقادتنا المؤمنين الذين احتكروا أموال الأمة لهم ولأقاربهم ومن يلوذ بهم من الحاشية والأتباع،ورسموا لأنفسهم مستقبلا يفنيهم ومن يرثهم إلى يوم القيامة،وكان يعطي لذوي الحاجة ومستحقي العون مما يفيض عن حاجته،ولم تكن له فيالق من الحمايات،أو أساطيل من السيارات،بل كان يجوب الشوارع والأحياء بمفرده،لا يرافقه غير مرافقه الخاص،فلا ماطورات أو نجدات أو قطع للطرقات،وإنما كأي إنسان عادي لا يتميز عن مواطنيه بشيء،وهو ما سهل للشباب النزق من أبناء الحواري أطلاق النار عليه في شارع الرشيد،في محاولة اغتيال فاشلة،تنازل بعدها عن حقه الشخصي بمقاضاتهم،وأصدر عفوه الخاص عن هؤلاء المجرمين،وقال قولته المشهورة (عفا الله عما سلف)ويا ليته لم يفعل ،وأنصاع لقول ألجواهري الخالد:
فأشدد الحبل ضيق من خناقهم فربما كان في أرخائه ضرر
مما مهد للمغامرين مستقبلا إلحاق أفدح الأضرار بالعراقيين نتيجة عفوه عن المسيء،ومجاملته لأعدائه الذين تربصوا به الدوائر حتى كان لهم ما أرادوا في 8 شباط الأسود،في مؤامرة دنيئة شاركت فيها معظم الدول السائرة بركاب الاستعمار ،ومعاضدة من القوى الرجعية والموتورة،وبقطار أمريكي وقوده ذوي الوريقات السمراء،ممن تربوا في أحضان العهد المباد،وعاشوا عيالا على الويلات والمصائب التي يعاني منها الشعب.
ومن المميزات التي أتصف حكمه بها،أنه لم يكن يعاضد طائفة على أخرى،أو يناصر قومية على غيرها،أو ينحاز لجهة على جهة،وحاول أن يكون زعيما لكل العراقيين،فكان لا يؤمن بالطائفية التي كانت سائدة في الدولة العراقية،فكان يصلي في الكاظم،ويزور الشيخ عبد القادر أو أبي حنيفة،ولم يفرق فيمن يتولى منصبا من المناصب على أساس طائفي أو قومي أو حزبي،بل كان يحاول ما وسعه الأمر ،اعتماد الكفاءة والنزاهة والمهنية،وفي ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ العراق الحديث أصر على تعيين الدكتور العلامة عبد الجبار عبد الله السام،رئيسا لجامعة بغداد،رغم كونه صابيئا، وهو درس للحكومة الحالية في عدم تسييس البحث العلمي وإعطائه لون طائفي بإسناد الوزارات إلى طائفيين يفضلون طائفتهم على وطنهم،مما جعلنا نعيش في مأساة من التناحر والاقتتال،وأوعز بأن يكون القبول في المعاهد والجامعات والكليات العسكرية على أسس علمية،بعد أن كانت هذه المؤسسات حكرا لطائفة دون أخرى،في مسعى منه لبناء أدارة وطنية بعيدة عن النزعات القومية والطائفية،وأصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي حرر الفلاح العراقي من العبودية السائدة بين الإقطاع والفلاحين،في محاولة لإزالة الفوارق الطبقية بين أبناء الشعب الواحد،والقضاء على النعرات الطائفية التي يغذيها رجال الدين،ولكن هذه الأجراآت اصطدمت بمعارضة شديدة من القوى التي تضررت من التوجه الجديد،فكان الاتفاق بين ما يسمى باليسار القومي،واليمين الرجعي،وبقايا العهد البائد من الملاكين وكبار التجار،ونفر ممن تزيوا بزي رجال الدين،وتصاعدت النبرة القومية بمواجهة الوطنية بدعم وأسناد من عبد الناصر الذي أتخذ من نفسه قبطان للتيار القومي في محاولته للهيمنة على على مقدرات الدول العربية،رغم خؤولته الفارسية،وهذه من العجائب أن يكون دعاة القومية العربية من غير العرب الأقحاح،ورغم الخلافات الشديدة بين عبد الناصر والدول الغربية وبعض الدول العربية،الا أنهم عقدوا حلفا خبيثا لأسقاط ثورة تموز.
وكان لأسرته أثرها البعيد في توجهاته الوطنية البعيدة عن النزعة القومية المتعصبة أو الطائفية المقيتة،فوالده سني من قبيلة زبيد العربية القحطانية،ووالدته شيعية من الكرد الفيلية، وهذه التربية خففت من غلواء التعصب الديني والمذهبي،وهذبت من النعرة القومية المقيتة،لذلك كان بعيدا عن التعصب لأي من المذهبين،وهو ما يندر وجوده في زعماء العراق،وقد قاد التأمر عليه رجالات السياسة السنة،بمساعدة من بعض رجال الدين الشيعة الذين كانت لهم نوايا أخرى بعيدة عن المذهب والدين وأرتباطات مشبوهة خارج العراق.
والدليل على وطنيته البعيدة عن التعصب الديني والمذهبي والقومي،أن الأطراف التي تعاونت على أسقاطه ام يجمعها جامع سواء العداء لسياسته الوطنية الجديدة،التي حاول زرع نبتتها في العراق،وجعل الهوية الوطنية فوق الأ‘تبارات الأخرى،فقد سعت لأسقاطه دول وجماعات لا يجمعها جامع سوى العداء المتأصل في داخلها لكل ما هو وطني شريف،ولعلها المرة الأولى التي تلتقي فيها الأطراف المتصارعة على أمر سواء في محاربته،فقد أتفقت الشخصيات السياسية والدينية العراقية والعربية والأجنبية على محاربته،أمثال عبد الناصر وشاه أيران والزعيم التركي،وأمير الكويت وملك السعودية ،وعاهل الأردن،وأمام اليمن وزعماء لبنان الرجعيين كميل شمعون وبيار الجميل،وسوريا الحرة،اضافة للدول الربية التي أفشل مخططاتها في حلف بغداد والخروج من دائرة الأسترليني،وتأميم النفط العراقي،والغاء المعاهدات النفطية وحقوق الأستثمار،وكذلك الأحزاب اليمينية الرجعية والحركات الدينية المتطرفة،كالكتائب اللبناني والوطنين الأشرار،والبعث الفلقي،والأخوان المسلمين،والحزب الأسلامي العراقي،والمقاصد الأسلامية،ودار الأضواء الأيرانية،وكان للجامعة العربية والمنظمات الغربية مواقفها العدائية المعلنة بأنحياز خطير يجب أن تكون مثل هذه المؤسسات بمنأى عنه،وكانت وسائل الأعلام الغربية والعربية والدول المجاورة قد أسهمت بقسط فاعل في محاربته،وكانت بمختلف أتجاهاتها وتلاوينها تكيل التهم والأفتراآت لحكومة قاسم،وتؤلب الرأي العام عليه،وقد حاولت الكتل الغربية المرتبطة بالغرب بمحتلف السبل أسقاطه،بما بذلت من أموال طائلة للمعادينله،وقد أشترت الكثير من رجال الفكر والأدب والثقافة والصحافة،وأصبحوا أبواق لها،وكانت تلك الجرائد المعادية لقاسم تستلم الأعانات المنظمة من الدول الغربية،وكذلك بعض المؤسسات الدينية،التي أثبتت الوثائق أرتباطاتها الوثيقة بالأستعمار الغربي،وقد زج الغرب كل أمكانياته الأعلامية في هذه المعركة غير المتكافئة،في الوقت الذي كان زعيم البلاد يعاني في الداخل مشاكل عديدة من أقرب المقربين اليه،فقد كان بعض وزرائه من ذوي الميول الرجعية والقومية،ومتصرفي الألوية وقادت الجيش وكبار الموظفين يتأمرون لأسقاطه،والعمل لتشويه صورته بما يقومون به من أعمال تسيء لسمعة الحكومة،ونقطة الضعف التي نفذ منها هؤلاء في محاولة أسقاطه،فقدان عامل الثقة المتولد في داخله،فقد كان لا يثقالا بقلة قليلة،وكان بعضهم يعمل مع الأطراف المناوءة له،،تجلى ذلك صبيحة الأنقلاب المشؤوم عندما اتصل بأمري الوحدات المكلفة بحماية بغداد،لقمع التمرد وأفشال الأنقلاب،فكان هؤلاء يمتنعون عن تنفيذ أوامره،وكان الشك المتولد داخله قد جعله لا يميز بين المخلصين والمتأمرين،وقد ثبت أخلاص العديد ممن كان يتوجس منهم،فأستشهدوا الى جانبه دفاعا عنه،وهم من خيرة قادة الجيش العراقي وأكثرهم أخلاصا أمثال عبد الكريم الجدة وجلال الأوقاتي وطه الشيخ أحمد ووصفي طاهر،وغيرهم من صغار الضباط والمراتب الذين قاتلوا قتال الأ[طال في وزارة الدفاع.
وكان للمؤسسة الدينية بشقيها،مواقفها المناوئة لعبد الكريم قاسم،رغم الحرية الممنوحة للمذاهب في ممارسة طقوسها وشعائرها والترويج لها،الا أن مواجهة حامية حدثت بين الشهيد،وأقطاب المرجعيات الدينية في العراق،لتضرر هؤلاء من القوانين الأصلاحية التي شرعتها حكومة الثورة،فقانون الأصلاح الزراعي الذي قصم ظهر الأقطاع في العراق فوت على رجال الدين الكثير من المكاسب التي يحصلون عليها من شيوخ القبائل وكبار التجار والأقطاعيين،رغم أن الأسلام كدين يرفض كل أنواع الأستغلال،فقد ورد في الأثر(الأرض لمن يزرعها ولو كان غاصبا)في الوقت الذي كانت فيه المؤسسة الدينة تماليء رجال الأقطاع وكبار الملاكين في حربهم القذرة ضد الفلاحين الجياع،فقد صدرت الفتاوى التي تحرم الأصلاح الزراعي،وأستغلال اراضي الملاكين بأعتبارها أراض مغصوبة من مالكها الشرعي،ولم يسأل هؤلاء الفقهاء أنفسهم عن كيفية حصول هؤلاء على هذه الأراضي ،وما هو الثمن الذي دفعوه من أجل أستغلالها والسيطرة عليها،فالطرق الملتوية والعلاقات المشبوهة لرجال الأقطاعمع دوائر الأستعمار البريطاني ورجال العهد المباد غير خافية على المؤسسات الدينية،ولكن هذه الضربة التي أثرت بشكل كبير على مواردهم المالية،جعلتهم يقفون بالضد من تعاليم ومباديء الأسلام التي ينادون بها،أضف الى ذلك محاربة الثورة للتجار الجشعين المضاربين بأقوات الشعب،بتحكمهم بالأسعار بما يؤمن لهم مكاسب كبيرة يكون لرجال الدين حصة20%منها،الثورة بتنظيم قانون التجارة بما يحد من هيمنتهم عليها،ودخول الدولة طرف في أيقاف التذبذب الأقتصادي الذي يعاني منه السوق العراقي.
وكان قانون الأحوال الشخصية الضربة الكبرى لسلطة المؤسسة الدينية،فقد أصبح للدولة موقفها من عقود الزواج ودعاوى الأرث،وما يتعلق بالأحوال الشخصية بعد أن كانت هذه الأمور من أختصاص المحاكم الشرعية التي يديرها رجال الدين،مما حرمهم الكثير من المكاسب المادية التي كانوا يحصلون عليها عن هذا الطريق،وكانت قبل صدور القانون تجري مظالم كبرى بحق النساء،فالمرأة لا رأي لها في أختيار شريك حياتها،وقد تتزوج الفتاة القاصر التي لا يزيد عمرها عن العشر سنوات بشيخ كبير يزيدها أضعاف مضاعفة في العمر،ولوالدها عقد الزواج دون الرجوع اليها يالتوكل عنها في أتمام مراسيمه فيحل محلها في التلفظ بكلمة القبول،وكثيرا ما أدت هذه الزيجات الى مأسي أجتماعية لعل الهروب(النهيبة) اقلها،وكثيرا ما أقدمن على الأنتحار بسبب هذا الزواج الغريب،وكان رجل الدين يطلق ويزوج دون حضور المرأة،وما عليه سوى أستلام الأجر المتفق عليه،بما يكفل له العيش الكرم دون الألتفات للجريمة النكراء التي تخالف أبسط التعاليسم السماوية في الزواج،وينأي بالمباديء الأسلامية عن مسارها الصحيح في ضرورة توفر مبدء الأيجاب والقبول للطرفين المتعاقدين،فيما أثر عن السلف الصالح من مواقف كان للمرا’ رأيها في أختيار شريك حياتها،الا أن ضعف رجال الدين أمام أغراء المادة جعلهم يناقضون مباديء الأسلام الحنيف،وكان لبعض رجال الدين أجتهادهم في حرمان المرأة في سابقة خطيرة في الفقه الأسلامي،وقد كثرت العنوسة في المجتمع العراقي خشية تزويج البنت لغريب فيكون شريكا لهم في الأرث،وصارت العامل المؤثر في تعدد الزوجات حتى قيل أن بعضهم جمع أكثر من أربعة،او جمع بين الأختين في سابقة غير معروفة في الاريخ الأسلامي،وكان ذلك من الأسباب الموجبة لتشريع القانون لدرء المخاطر الأجتماعية الحاصلة بسبب هذه الأخطاء.
أما موقف الجماهير من آراء المؤسسات الدينية،فقد أتخذ طريق الرفض لتشريعاتها والألتزام بالقوانين المرعية التي تسنها الحكومة العراقية،التي أمنت لهم العيش الكريم والحياة الحرة السعيدة،مما أدى الى حدوث تحالفات جديدة بين الطوائف المتناحرة لدرء الخطر الداهم الذي سيحد من أستغلالها ،فكانت الأحتفالات الكبرى التي يشارك فيها رجال الدين من الطائفتين ،واستحداث مناسبات دينية لم تكن موجودة سابقا ليلتئم شمل المتأمرين،وقد جمعهم العداء لقاسم في جبهة عريضة جمعت النقائض التي لم يلتئم شملها على خير في يوم من الأيام،فكان مفكري الشيعة تتصدر مقالاتهم الصحف الصفراء التي يصدرها رجال البعث،الى جانب مقالات قادته وكتابه المعروفين،فيما نشط رجال الدين السنة لتأسيس الحزب الأسلامي على غرار حزب الأخوان المسلمين المصري ،الذي باركته المرجعية الدينية وزجت بأبناء أكابر علمائها فيه،وكان لهم نشاطهم الملحوظ فيه،وعلى أثر ذلك صدرت الفتاوى التي تحرم الأنتماء للحزب الشيوعي،في أشارة واضحة لجواز الأنتماء لحزب البعث والحزب الأسلامي الذي كان الواجهة الدينية للبعث،والحزب الذي أنشيء حديثا،من قبل أبناء علماء الشيعة،ومنذ ذلك الوقت أخذت الأحزاب الدينية طريقها لممارسة العمل السياسي تحت أطر دينية،فظهرت أحزاب لم يقيض لها النجاح،وكانت قيادات بدون قواعد،وظلت مقتصرة على طبقة معينة لم تفلح في الدين وفشلت في السياسة،وأضاعت المشيتين،ولعل الملفت للنظر ان هذه الفتوى صدرت عام 1960،وكان الحزب الشيوعي سيد الشارع العراقي منذ الثلاثينيات،فأين كان رجال الدين عن تكفيره،ولماذا لم يكفر بعد ثورة تموز،وكيف أختير هذا الوقت بالذات لتفجير هذه القنبلة،هذا ما يستحق التوضيح وربما ستكون لنا عودة لدراسته بتوسع أكثر.
والمؤسف أن عبد الكريم قاسم لم يواجه هذه التحركات بما تستحقه من الشدة والصرامة،رغم علمه بدوافعها وارتباطاتها المشبوهة بدول وحكومات تتآمر لأسقاطه والقضاء عليه،كما لم تكن له مواقف حاسمة مع القوى والعناصر التي تآمرت عليه،ليس لضعف منه،فشعبيته العارمة تستطيع مواجهة أي قوة أخرى في المجتمع العراقي،والتغلب عليها وأنهائها،ولكن تهاونه نابع من أيمانه بحق الأختلاف،في تصور لخصومه السياسيين بأنهم أعجز من مواجهته،بسبب تضامن الشعب والجيش معه،متناسيا أن الضباط المغامرين والطامعين بالسلطة منهم ممن أقسموا يمين الولاء والطاعة له،لا يتعاملون مع هذه الأمور بالسذاجة التي يتصورها،أو بالشرف والنزاهة التي يتحلى بها،ورغم نجاح الأنقلابيين في التحرك لأسقاطه،كان بأمكانه الأستفادة من رصيده الشعبي لأيقافهم،فقد تحركت الجماهير صبيحة الأنقلاب مطالبة بمنحها السلاح للدفاع عنه،الا أنه رفض تسليحها خشية حدوث حرب أهلية لا تبقي ولا تذر،واعتمادا على وعود عبد السلام عارف،الذي أنقذه من الأ‘دام عند تآمره عليه رغم المطالب الشعبية بتنفيذ الحكم،فقد وعده عبد السلام عارف في حالة أستسلامه تسفيره خارج العراق،الا ان البعثيين الأقوياء ومهانة عبد السلام عارف جعلته يتنكر لوعوده،فأعدم في دار الأذاعة العراقية صائما محتسبا مع رفاقه الأ[رار،وبذلك خسر العراق زعيما وطنيا لن يجود الزمان بمثله،كان بعيدا عن الطائفية المقيتة،والعنصرية البغيضة،وحاول بما تحلى به من آمانة وأخلاص بناء مجتمع خال من التمايز الطبقي،وخسر الفقراء نصيرا حاول أنتشالهم من واقعهم البائس،ولكنالعملاء وصنائع الأستعمار،والمتضررين من ثورته،كان لهم تحركهم الذي أطاح بواحد من زعماء العراق الخالدين.
ولعل ما يحز في النفس،أن نرى الصمت المطبق من العراقيين آزاء قرار الحكومة العراقية،بالغاء اليوم الوطني للجمهورية العراقية،الذي لم يستطع أعداءالعراق بعضمتهم ودكتاتوريتهم وتنمرهم الغاءه،وأن يكون رد الجميل بهذه الطريقة لمن لم يدخر وسعا في خدمتهم وعاش ومات لم يمتلك غير مىبسه العسكرية التي دخل وخرج بها من وزارة الدفاع ،وكان الموقف المهادن الصامت للحزب الشيوعي العراقي في موافقته على تمرير هذا القرار،الذي كان موجها أساسا له بوصفه الطليعة الوطنية للأحزاب العراقية وصاحب المواقف الراسخة في الدفاع عن الحقوق الوطنية،ودوره في دعم وأسناد الثورة والمشاركة الفاعلة في تحقيق مكاسبها،وهذا الموقف سيكون للتاريخ كلمته فيه وأن غدا لناظره قريب.