أنت أيها النهر أيضاً ؟!


المحرر موضوع: أنت أيها النهر أيضاً ؟!  (زيارة 1595 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ميخائيل مـمـو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 677
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
أنت أيها النهر أيضاً ؟!
« في: 08:33 26/07/2007 »
قصيدة
أنت أيها النهر أيضاً ؟!
 
للشاعر
جورج عيسى كيوركيس
( 1938  ــ  1978 )

ترجمة
ميخائيل ممو

الإهداء

الى روح الأديب الآشوري الراحل

جورج عيسى كيوركيس

الذي رحل في الوقت الذي كان يثري فيه

رياض الأدب الآشوري بنتاجه الفكري الغني

بمفرداته ومعانيه

من جوهر معاناته الشخصية

وما ارتسم في مخيلته من ذكريات الحكايات التي طرقت سمعه

 وأحداث المآسي التي عايشها عن كثب

 وانطبعت في عقله الباطن

ليحولها لوحات شعرية وقصصية ناطقة بمعانيها

عساني أكون قد أديت خدمة متواضعة لرفيق الأدب الراحل

بنقل احدى قصائده لقراء العربية.

ميخائيل ممو










أنت أيها النهر أيضاً؟!*

( الى أمي التي روت لي هذا الحدث في العهد الذي هرب وتشتت أبناء أمتي في مطلع هذا القرن.)

ما لك تزعـق بأعلى صوتك ؟
ماذا لمحت؟  وماذا لاح في ذاكرتك ؟
ماذا تريد أن تفسر بلسانك الصغير؟
أتريد أن تسرد جُـنـَحَ وجرائم هذا العصر؟
تلك التي ألـمّـت بأبيك ،
 قريتك الهادئة ،
بالرفاق
واخوتك جميعاً.
أتريد أن تحكي للبشرية التي دعتنا هنا
في هذه البرية
التي لا مخرج لها؟
آه ٍ ..
أية ساعة شاذة مرعبة هذه
في تاريخنا؟!
شبل الأسد يستنجد بالآخرين
حكاية الأم
التي تحاول أن تـنـقـذ صغيرها.
***

إهدأ يا قلبي ، اهدأ.
أجل.. إهدأ قليلاً ،
لا يكن في حسبانك
أن توقظ البشرية النائمة ،
لتلقَ التأنيب.

إهدأ.. ليس لنا من السامعين
الظلام الدامس يلفنا ،
وهذه الأرض المهجورة متروكة ،
والتراب الذي ما فـَتئَ حامياً من حر تموز،
يزيد من صلي أعقابي المكتوية.
لكن.. لحين أن نصل الى النهر البعيد ،
ولحين
 أن يشرق في أفق حياتك اليوم الجديد
لا تهدأ
ارفع صوتك
اذا افتقدت السامعين ،
فلديك القمر والنجوم من السامعين المؤمنين
يتلون حكايتك المقتضبة الزكية ،
لساكني السماء السابعة ،
ولكل الأزمنة.

ارفع صوتك الطاهر، مدوياً ،
لينشرصداه في كل جانب
ليسمعك النسر المدمى الجناحين ،
وتلك نسمة الحياة الباقية فيه
لتبدد المحن
وليبسط جناحيه محلقاً للعلى
لتكاثر الغربان السوداء ،
التي تنهش أجساد الصغار والشباب.
لم تسنح للنسر أن يحط على المرتفع
حيث يتواجد المتوحشون ليسلبوا البررة.
لا تهدأ
زعيقك يمنحني قوة وجرأة
لأكمل دربي
ولنجتاز النهر،
عندها نتخلص من يد القاتل،
ونبني بيتاً على أرض الحليب والعسل.
ازعق ودَوّ ،
لا تهدأ
لتسمعك ثعالب الصحارى المفترسة ،
ولتعرف أنك ذلك الشبل الجديد
تبحث عن الحياة ، وعن الحرية.

بوداع ذلك الليل ،
 ورحيل الظلام
لمحت عيناها آخر نجم كان يتلألأ
متفادياً السماء
وأصابع التجلي البيضاء
تطول ممتدة
من خلف قمة الجبل الشامخ
مَـوقعهُ الآن بعيداً جداً منها
حتام يبتعد ؟
هل الى الأبد ؟
شاءت الذكريات
أن تـُشغـلها بالماضي ،
لكن رقبتها التعـبى
من حمل وليدها ،
أدارت وجهها للأمام ،
وتخطت بتمهل
حيث المكان الذي يتلألأ فيه سطح النهر
تذكرت انها عطشى
والشبل ظـَمِـئاً أيضاً
عَـدَت بقفزات على رجليها المكتويتين،
ستقدم على العَـدْوِ
حتى وان كانتا مصابتين بالعجز.
***
على حافة النهر الذي عمدت اجتيازه
بسط السكون بأجنحته الساحرة
وبزنارها القرمزي ، هدية حبيبها
شدت وليدها مُحكماً على ظهرها
رافعة أطراف ثيابها الممتدة
وتخطت في النهر
قاصدة الطرف الآخر
على أمل الخلاص من الموت.
استمرت تشد من جرأة الصغير
بينما هي أشد حاجة لجرأة القلب.
" لا تخف يا بني ،
النهر ليس عميقاً ،
واجتيازه سهل على الأرجل ،
دون السباحة
ولكن سأعوم اذا ما فاض عن حده
كوني  سبحتُ  كثيراً في صغري
في بحيرتنا الصغيرة جداً ،
بحيرتنا الراكنة بعيداً الآن.
لا تخف ،
يا ابتي ،
اقتفينا نصف الطريق
قليلاً جداً
 ونصل ضفة النهر.
هناك سنبتعد من أيادي المفترسيـن
سنبني لنا كوخاً صغيراً ،
منسوجاً من خيوط أملنا، الرفيعة.
هناك سنحل سوية بسلام ،
ونعيش على الذكريات الجميلة
لقريتنا الهادئة. "
***
حينما أصبحت على مقربة
من الطرف الآخر
تحسست المياه تنساب
من ركبتيها
احتدمت من فرح النجاح
ومدت بيدها الكليلة على ظهرها
تـتـفحص طفلها
فـتـيـبست كالخشبة
حينما تلمست أصابعها الزنار فارغاً
تحركت واستدارت
ها أمل حياتها
يختفي بعيداً في عباب السماء
هرعت بكل قواها
الى حافة النهـر
صارخة...
وصراخها يشق عنان السماء
ولكن..
من سيوقف جريان النهر؟!
***
ألم تكن كافية كل ضحايا الذبائح ؟
ألم تكن كافية قريتنا الخضراء الهادئة ؟
ألم يكن كافياً ذلك الحبيب الشاب
والملائكتين مرتا ومريم أيضاً ؟
إن نـَما الظلم في الإنسان
فأي نهر تكون أنت
باعث الحياة ؟
من الذي استفزك لتخطف أملي ؟
أنت لست جزءً من البحر الكبير
الذي كانت ترفرف عليه
روح الكل قبل الخليقة.
ألـَسْـتَ عائشاً تحت ظل المقدس
لتقطف الآن ثمرة الأرملة ؟
حتى الطبيعة متمردة علينا ،
لا تمنحنا مكاناً لراحة البال!!
***
اقـتـفـت الأم ذلك الدرب
الذي عليه استترت
حاملة رعب ذلك الحلم
الحلم الذي لا يفارقها
وبقلبها أمل اشراقة اليوم الآخر
اليوم الجديد ،
ولكن ...
أسيشرق ذلك اليوم ؟!