العين تسمع والأذن ترى
مخاطر جدية على مستقبل الديمقراطية
د. سعدي المالح
أن يكون لنا دستور نعرف فيه حقوقنا وواجباتنا أفضل ألف مرة من أن لا يكون لنا دستور. وأن يكون لنا دستور دائم، مهما كانت نواقصه، أفضل من أن يكون لنا دستور مؤقت قابل للخرق والتغيير، هذا أمر لا جدال فيه.
وإذا ناقشنا دستورنا الجديد من هذا المنطلق، لا نخطئ إذا قلنا أنه دستور يستحق الاحترام على الرغم من نواقصه ومثالبه الكثيرة وتناقضاته المتعددة، لأنه في المحصلة الأخيرة أول دستور يحقق للعراقيين الكثير من العدالة التي افتقدوها في دساتيرهم السابقة.
وبلا شك، سينعم العراقيون بموجب الدستور الجديد، وللمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث، بنظام حكم برلماني ديمقراطي اتحادي يجري فيه تقاسم السلطات بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والمحافظات والإدارات المحلية بشكل يمنع فيه تركيز السلطة في يد الحكومة الاتحادية. وتتمتع فيه السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، باستقلاليتها. أما خضوع القوات المسلحة العراقية والمخابرات، للمرة الأولى في تاريخ العراق، للسلطات المدنية فيعد أساسا لدمقرطة المجتمع وانتشاله العسكريتاريا والاضطهاد السياسي . إن كل هذا هو نمط جديد وغير مألوف لأنظمة الحكم في منطقة تتميز بأنواع من الأنظمة الشمولية والاستبدادية والفردية.
بالتأكيد إن الدستور الجديد يهدف إلى إزالة آثار السياسات والممارسات العنصرية والمذهبية التي كانت قائمة في العراق في ظل الحكومات السابقة. ويضمن للعراقيين الحقوق والحريات والواجبات المتساوية دون تمييز، وبصرف النظر عن الجنس أو الرأي أو المعتقد أو القومية أو الدين أو المذهب أو اللون. ويقر الدستور وللمرة الأولى في تاريخ العراق إن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، والشعب العربي فيه وحده جزء من الأمة العربية على خلاف ما كان سائدا في الدساتير العراقية السابقة التي كانت تعتبر العراق بكافة قومياته جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية. في الوقت نفسه، يمنح الحقوق الإدارية والثقافية والسياسية للتركمان، والكلدان والآشوريين، والمواطنين الآخرين كافة. ويعتبر اللغتين العربية والكردية اللغتان الرسميتان للعراق مع ضمان حق الأقليات الأخرى في التعليم بلغتهم الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية في المدارس الحكومية والخاصة . وفي هذا نصر كبير للأقليات غير العربية في تحقيق مطالبها.
وفي الوقت نفسه، يتضمن القانون العديد من الفقرات التي أثارت وتثير إشكالات كبيرة في المجتمع العراقي، بعضها يحمل مخاطر جدية على مستقبل الديمقراطية في العراق وخاصة المكونات الصغيرة من الشعب العراقي، وبعضها الآخر يحمل تناقضات قد تصطدم مع مواد أخرى في الدستور تلغي عملها أو تعيقه.
وبرأيي ثمة تناقضات في المادة الثانية من الدستور التي تقر بأن الإسلام دين الدولة الرسمي ومصدر أساس للتشريع إذ أن الفقرة أ " لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام" بتقدمها على الفقرتين ب " لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية" و ج " لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور" تلغي مفعولهما وتجعلهما كأنهما غير موجودتين، وتعيق سن وتطبيق الكثير من القوانين المواكبة للتطور الديمقراطي وحقوق الإنسان، مما يضع مستقبل الديمقراطية في خطر جدي. هذا والفقرة نفسها لا توضح بشكل صريح أي نوع من التشريع الإسلامي تريد، ووفق أي المذاهب ستطبق هذا التشريع مما سيثير جدلا ولغطا كبيرين أثناء سن أي قانون يعتمد التشريع الإسلامي مستقبلا.
يمنح الدستور في المادة 17 " لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين والآداب العامة". وكلمة الآداب العامة هنا كلمة مطاطية يمكن سحبها على إي شيء لا يعجب المشرع أو اختصارها بحيث يصبح أي شيء مباحا، لهذا كان لابد أن توضح هذه" الآداب العامة" في مادة ما أو أن تستبدل "بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين وأحكام هذا الدستور".
في رابعا من المادة 29 " تمنع أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع" من دون توضيح أي نوع من العنف يقصد به الجسدي فقط أم الجسدي والنفسي، لأن كلاهما متفشيان في مجتمعنا. وبرأيي هذه الفقرة كان يجب أن تذكر " وبخاصة ضد المرأة والطفل لأنهما الأكثر تعرضا لكلا النوعين من العنف والتعسف"
تتحدث المادة 48 عن التمثيل في مجلس النواب بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف نسمة من نفوس العراق " ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه " ولكي تحصل المكونات الصغيرة من الشعب العراقي على تمثيل عادل في الجمعية - ولا سيما يصعب على بعضها الحصول حتى على مقعد واحد، نظرا لأن العراق سيكون دائرة انتخابية واحدة - لابد من تخصيص "كوتا" أو مقاعد محددة لهذه المكونات الصغيرة حسب عددها نسبة إلى عدد نفوس العراق ليتنافس عليها أبناء هذه القوميات كما هو في الكثير من البلدان.
في المادة 123 التي تضمن حقوق القوميات المختلفة يرد اسم الكلدان والآشوريين، وإن كان الاسمان محصورين بين فاصلتين، كأنهما قوميتان منفصلتان. ويعد هذا الفصل بمثابة اقتراف " جريمة" بحق أبناء هذه القومية الصغيرة التي فرضت عليها ظروف تاريخية خارجة عن إرادتها ثلاث تسميات: الكلدان الآشوريون السريان. وهنا يجب- وإن كان مقترفو هذه الجريمة الحقيقيون ممثلي هذا الشعب في المجلس الوطني- إيراد التسميات الثلاث باعتبارهما مسميات لشعب واحد ، والذي سيساعد، إلى حد ما، في حل جزء من إشكال التسمية المستفحل بينهم مستقبلا. [/size][/font] [/b]