من ينقذ العراق من الإرهاب و الطائفية
رشاد الشلاه
التهديد الذي أطلقه تنظيم القاعدة على لسان أمير تنظيمها في العراق المدعو بالزرقاوي مؤخرا وتلقفته فضائيات الإثارة الإخبارية، لم يقتصر على إبادة ملايين الشيعة العراقيين كونهم "رافضة" وباعتباره هو أمير إمارة العراق الإسلامية بتفويض من أسامة بن لادن، بل شمل في هذا التهديد أشقاءه في المذهب السني ما داموا لا يمتثلون لأوامره ويصبحون سيافين في إمارته يذبحون ويفجرون أخوتهم في الرحم والدين، وبذلك يكون قد حكم بالإعدام على غالبية الشعب العراقي بملايينه المسلمة على اختلاف مذاهبهم كخطوة أولى يعقبها الإقدام على ذبح العراقيين غير المسلمين كتحصيل حاصل لفكره التكفيري التصفوي.
وأيا كانت الأسباب التي أدت بالزرقاوي إلى إطلاق صيحات جزعه والتي كان من بينها ضيق رقعة إمارته الإسلامية في العراق نتيجة طرد حلفائه الصداميين وأنصاره الطائفيين التكفيريين من مدينة تلعفر، فأن هذا التهديد والتنديد الحذر الذي قوبل به من قبل هيئة العلماء المسلمين السنة وعدد من التنظيمات المسلحة من بقايا أجهزة نظام صدام حسين الأمنية و العسكرية، مؤشر على تداعي انهيار حلف غير مقدس نصف معلن هدفه الأول إعاقة قيام أي شكل من أشكال الدولة الديمقراطية في العراق. هذا الحلف كان حتى إعلان التهديد وتنفيذ المجازر الرهيبة التي من بينها مجزرة عمال البناء في الكاظمية يضم تنظيم القاعدة وبقايا أتباع الدكتاتور السابق وهيئة العلماء المسلمين السنة وبعض النخب من الشخصيات الشيعية.
إن هذا التطور في خارطة الاصطفافات السياسية بين القوى المعارضة لتطور العملية السياسية الديمقراطية، يقترن مع الاصطفافات الجاري تكوينها بين القوى المنخرطة في العملية السياسية أصلا والتي تسعى إلى انضمام قوى أخرى كانت رافضة لهذا المسار إما طوعا أو خوفا، والكل معارضون و مؤيدون في سباق مع الزمن ليجد له موقعا مؤثرا عند تنفيذ الاستحقاقين المهمين؛ استحقاق التصويت على مشروع الدستور في شهر تشرين الأول واستحقاق الانتخابات العامة في شهر كانون الأول من هذا العام. وإذا كان تهديد الزرقاوي وتنفيذ مجموعته المجازر الرهيبة بحق المواطنين الأبرياء العزل قد دق إسفينا في تحالف القوى المعارضة للعملية السياسية، فان القوى الأخرى المضادة لها وخصوصا قوى الإسلام السياسي الشيعي تمر أيضا في فترة عصيبة قد تكون نذيرة بفرط عقد تحالفها الذي حملها إلى أغلبية مقاعد الجمعية الوطنية وتشكيل الحكومة بمباركة من مرجعيتها الدينية، بعد أن عجزت عن تحقيق وعودها باستتباب الأمن ومحاربة الفساد والقضاء على البطالة وتأمين احتياجات المواطن الأساسية على الأقل.
لقد سبق وان تم التحذير مبكرا ولا يزال من خطورة التنظيمات الإسلامية المبنية على الانتماء الطائفي، و إن كان معظم قادة هذه التنظيمات ولا يزال يبرأ نفسه من الممارسة الطائفية في سبيل الضحك على الذقون، لأن هذا الادعاء لايبرهنه الواقع بل يفنده و لا يؤكده، وها هو الشعب العراقي المدمي يختنق بالنفس الطائفي الأسود، بعد أن تحول على أيدي بعض العراقيين والعرب من تجار الدين والمذهب والشعارات القومية بدعوى مقارعة المحتل، وبدعم هائل من بعض الدول العربية والمسلمة والإقليمية كل حسب أجندتها، تحول إلى مرتع سهل للسراق و السفاحين. والملفت أن كل ذلك وغيره يتم في خضم أساليب التجهيل الحكومي للمواطن عما يجري في البلد بأساليب إعلامية بالية واللجوء إلى التبريرات الجاهزة للتنصل عن المسؤولية.
لذلك فان التزاما مبدئيا وأخلاقيا يفرض على القوى السياسية العراقية البعيدة حقا عن الدافع الطائفي بل والانتماء المذهبي أن تبادر إلى التحرك منفردة أو مؤتلفة بمشروع وطني للإنقاذ، مشروع يحقن الدم العراقي أولا ويضع الوطن على أعتاب الخطوة الأولى في بناء دولته الديمقراطية ثانيا ويعيد إليه الثقة بنفسه وقدرته على اجتياز الكارثة التي تلتهمه بشرا ومقدرات.
لقد آن الأوان للوعي بجدية بأهمية درء خطورة القادم من الأيام على السفينة العراقية المتداعية التي إن غرقت فان عواقب هذا الغرق سيطال جميع دول المنطقة.
rashadalshalah@yahoo.se[/size]