قصتي مع صدام حسين
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com لم التقي بصدام حسين إلا مرة واحدة، آنذاك، قررت ان اصافحه على عجالة، كما لم اصافح احدا في مثلها، ذلك لأن الطابور الذي كان ينتظر خلفي للسلام عليه طويل ومتعرج، ومتوتر الى ابعد الحدود. كان صدام نائبا للرئيس، ليس ككل النواب. كان رئيسا ونص. وكان مخيفا ونص، وجبارا ونص.
آنذاك كان(السيد النائب) مشروع طاغية قيد التصنيع في مطبخ يديره برزان التكريتي ويعمل فيه خبراء من مخابرات دول "صديقة" وترعاه السياسات الدولية في مرحلة انحطاط القيم، ولم تكن قسمات الغطرسة التي تنتشر على صُفرة وجهه لتخفى على احد.. كانت قسمات مقززة ومقيتة.. وقبل ان اصله بخطوتين لأدخل القاعة التي سيتحدث فيها شعرت انني بحاجة ماسة لاتحرر من الكابوس، فالاوكسجين احتبس عن المكان، وحفيف الاشجار كف عن الوشوشة، واكتشفت على الفور بان مشهد الهلع والتحسب في المكان كان مصطنعا، او على الادق كان مصنّعا من قبل جيش من المرافقين من ذوي السحنات الريفية الصفراء، والحماة المدججين بالسلاح، المبحلقين في الوجوه، المتوترين والضاغطين على عقارب اسلحتهم، حتى ليشعر (الزائر) انه جاء الى حتفه بارادته، والحق ان جميع افراد هذا الطابور- كما تخيلت- كفوا عن التفكير إلا في نقطة واحد هي كيف يتجاوزون محنة مصافحة (السيد النائب) وكانوا-مثلي- يروّضون طعمَ قرفٍ دفينٍ في داخلهم، فلم يكن بينهم احد من انصاره، أو من اعضاء حزبه، ولربما صاروا جميعا بعد سنوات قليلة من جملة ضحاياه، كما هو الحال بالنسبة لي.
بَحْلقَ صدام حسين في وجهي، فنقلت عيوني الى جهة بعيدة لاتحاشى خاطراً كان قد حدثنا عنه مرة الشاعر محمد صالح بحر العلوم، قبل ان ينكفئ، قال : كنت في معتقل اللجنة الاولمبية في الاعظمية بعد 8 شباط 1963 يوم زارها الجلاد صدام حسين، حيث شتمني من وراء القضبان وتوعدني بالموت، لكني- والقول لبحر العلوم- رددت عليه بابتسامة ساخرة فارتبك لاكتشف فجأة ان خلف تلك الشتائم تكمن شخصية جبانة.
اقول: نقلت نظراتي بعيدا عن وجه (السيد النائب) لأداري مشروع ابتسامة ساخرة قد لا يكون لها موضعٍ في تلك اللحظات التي لم تكن لتبدو -في الظاهر- انها لحظات عدوانية، لكنها، في واقع الامر، كانت مشحونة بجو عدائي سري ظهر على الفور عندما بدأ الاجتماع وتكفل (السيد النائب) بالرد على الآراء والتوضيح للحاضرين سياسة الحزب والثورة من المستجدات، بلغة تفيض بالتكبر، وكأنه معلم يتفرس في وجوه تلاميذ صغار وهو يلقنهم دروسا في علوم الحياة والسياسة، فيما كان هو -في الواقع- تلميذا بائسا إزاء جمهرة من رجال الصحافة والسياسة والعلم، وكنت كصحفي ألخص كلماته لأعدّ تقريرا عن ذلك اللقاء لجريدتي آنذاك(طريق الشعب).
بعد اللقاء كنت اعاني كثيرا من استحالة تحويل كلمات صدام حسين المفككة الى تصريح صالح للنشر، فقد كانت عبارة عن استطرادات انشائية وتعليمية محتشدة بمفرات الفروض والوجوب، وبعبارات الشرعية الثورية واستراتيجية الكفاح المسلح والحزب القائد والتنمية الانفجارية والعمل من خلال خندق واحد..نعم خندق واحد بشمعة واحدة يتحكم فيها جلاد تفنن في إطفاء الشموع.
في نهاية الامر جمّعت كل عبارات صدام حسين المتناثرة والمملة في خبر اثار في اليوم الثاني غضب طارق عزيز لانه لم يراعي احكام الصياغات الاعلامية الرسمية سواء في توصيف شخص السيد النائب او في ترصيف خطابه، وابلغ عزيز ادارة الجريدة ما يلي: انها آخر مرة مسموح بها لصحفي غير مكلف من وكالة الانباء الحكومية ان يحرر خبرا عن السيد النائب.
حسنا..وماذا بعد؟
بعد شهرين من ذلك التاريخ صدر عن وزارة الاعلام كراس من سلسلة الكراريس التي تنشر خُطب (السيد النائب) بعنوان(خندق واحد أم خندقان) بزعم انه الخطاب الذي القاه صدام حسين في ذلك اللقاء، وعندما طالعته لم اجد اية علاقة بين هذه السطور التي قيل ان الكاتب عزيز السيد جاسم قد لفقها من لوازم وظيفته في مكتب الاعلام القومي وبين ما كان صدام يقذف به الحضور من كلمات وجملٍ تضجّ بالفجاجة والشعارات والتهديد..آنذاك عرفت ان العراق حشر في خندق لا خندقين. [/b][/size][/font]