العين تسمع والأذن ترى
اللغة والثقافة أولاً
د. سعدي المالح
لو ألقينا نظرة سريعة على المؤسسات والجمعيات والمراكز الثقافية الكلدانية الآشورية السريانية، سواء كانت مؤسسات حكومية أو مؤسسات مجتمع مدني، لرأينا جميعها تقريبا مسيسة، بل مشحونة بالهم السياسي بدلا من الثقافي وعلى نحو غير طبيعي، أو تتداخل فيها السياسة بالثقافة تداخلا مباشرا حتى يصبح الفعل السياسي غالبا على النشاط الثقافي الذي هو واجهة لمعظم هذه المؤسسات.
هذا الأمر جعل من معظم هذه المؤسسات ساحات مواجهة بين بعض الأحزاب أو الأطراف أو التيارات السياسية أو بعض المتعصبين لهذه التسمية أو تلك. وبالتالي أدى إلى حرمان الكثير من المثقفين الحقيقيين – مسيسين ومستقلين- من دعمها أو الانتماء إليها أو المشاركة في نشاطاتها لأسباب مختلفة، بينما تبوأ بعض من الطارئين على الثقافة، أو أنصاف المثقفين، مراكز قيادية فيها لاعتبارات سياسية أو حزبية بحتة.
ومن الغريب، إن بعض المؤسسات اللغوية والتربوية ومؤتمراتها تسيست هي الأخرى بحيث إذا اُعتبرت محسوبة لهذه الجهة قاطعتها الجهة الأخرى وراحت الجهة المسيطرة أو المدعومة تفرض سياساتها حتى على تعليم اللغة أو تطويرها وغيرها من البرامج ذات العلاقة.
في الوقت ذاته تسعى الجهة المقابلة بكل ما أوتيت من قوة لإفشال تلك المشاريع أو التقليل من أهميتها أو إفراغها من معناها أو منع التلاميذ من الاستفادة منها. وبالنتيجة تواجه عملية التعليم وبالذات التعليم السرياني وتطوير اللغة وتوحيدها إشكالات جمة وتعاني من إسقاطات سياسية وصراعات حزبية نحن في غنى عنها ولا سيما أطفالنا التواقين لتعلم هذه اللغة.
إنه التحزب والتعصب الأعمى في كل شيء، يطال حتى الشهيق والزفير، تحزب يأتي على اللغة والثقافة ويمسخهما ليصبحا ثقافة الحزب والطائفة والمسمى المعين. ويا حبذا لو كان هذا التحزب بيد أناس يعرفون أهمية تعليم لغتنا والأخذ بيد ثقافتنا، أو تحزيا تنافسيا يساعد على تطوير وتنويع مصادر ثقافتنا، وليس تحزبا يأتي على الأخضر واليابس.
إن الأمر لخطير إلى درجة تكاد ثقافتنا تختنق من هذا الهواء الفاسد، وتنفصل مكوناتها عن بعضها البعض حتى لتغدو اللغة الواحدة لغات متعددة والثقافة الواحدة ثقافات متناقضة تتصارع فيما بينها.
كما هو معروف، هذا كله لا يضيف لبنة إلى صرح وحدة شعبنا الكلداني الآشوري السرياني المنشودة، بل يزيد من التفرقة والتشتت والتباعد بين أطياف شعبنا وثقافاته وتسمياته المتعددة، ولا سيما في هذه المرحلة التي نسعى فيها بكل طاقاتنا لخلق أجواء الوحدة القومية والدينية والثقافية في عراق ديمقراطي متعدد القوميات والأديان.
لقد أصبح بلوغ هذه الوحدة في الظرف الراهن، من خلال الواقع العملي المتشرذم، مسألة معقدة ومتشابكة وغير قابلة للتحقيق دفعة واحدة، وخاصة أن سياسيينا ورجال ديننا ما زالوا في طريق بعيدة عن هذا الهدف. لهذا لابد من التفكير بخطة جديدة تضع الجميع على طريق واحدة. طريق واحدة نقطعها على مراحل تدريجية تؤدي إلى الهدف نفسه.
اقتراحي هو أن نبدا باللغة والثقافة أولا ثم نخطو خطوات أخرى. وهذا يتم قبل كل شيء بتوحيد مراكزنا اللغوية وبرامج تعليمها في المؤسسات التربوية الخاصة والعامة وتجريدها بالكامل من التوجهات السياسية المباشرة، أي بفك الارتباط أو الاشتباك بين ما هو سياسي وثقافي- تعليمي بحيث تصبح المؤسسات والمراكز والجمعيات الثقافية والتعليمية متخصصة في المجالات الثقافية والتربوية الحقيقية بعيدا عن التأثيرات والتوجهات والصراعات السياسية.
وينبغي أن يرافق خطوة فك الارتباط أو الاشتباك بين ما هو سياسي وثقافي هذه خطوة هامة أخرى ألا وهي توحيد الأسماء لتدل على المسمى الواحد، أي بكلمة أخرى ما دمنا نسمى لغتنا سريانية وثقافتنا هي الأخرى أيضا سريانية ، فلتحمل جميع هذه المؤسسات والجمعيات والنوادي والمراكز- حكومية كانت أم مؤسسات مجتمع مدني- الاسم السرياني بدلا من الكلداني أو الآشوري أو الكلدوآشوري أو غيره، فهو اسم يجمع ويوحد في هذه المرحلة وفي هذا المجال أكثر من غيره.
بلا شك، من السذاجة أن نفكر أن مثل هذا العمل الحساس والمتشابك يتم من خلال الهيئات العامة أو قيادات هذه المؤسسات أو الجمعيات أو المراكز وحدها من دون اتفاق أو دعم مسبق أو موافقة المسؤولين السياسيين والحكوميين المشرفين على هذه المراكز والجمعيات، وكذلك الممولين والمساندين والداعمين الذين ينبغي أن يعملوا جميعا بهذا الاتجاه لكي يحقق مثل هذا التحول جدواه.
وبهذا نكون قد خطونا واحدة من الخطوات الهامة والجادة في طريق الوحدة.
والعين تسمع والأذن ترى! [/b][/size][/font]