قصة قصيرة جداً الصهيل
هيثم بهنام بردى
يتوقف، يلتقط أنفاسه المتلاحقة، يهادن صدره المتوثب يمسك حزامه الجلدي بكلتا كفيه ويسحب بنطاله المتهدل، يخرج منديله الأبيض يخلع سدارته ويمرر المنديل على صلعته الشائخة، ينضي عن أرنبة انفه نظارته الطبية ويمسح الغبار المنتشر في أديمها الشفيف، يضعها ثانية على الأرنبة ويحدق.. الشمس سيدة الموقف، تلهب وتصفع وتمطر على كل شيء: البيادر المكومة، الأحصنة المربوطة وهي تمضغ بتكاسل أكوام القش المدروس، الأبواب الموصدة والمفتوحة، وأسطح البنايات العالية التي تحّزم الساحة من كل صوب، الكل يخضع لسلطة الظهيرة اللائبة بإستثناء بعض الأولاد الذين لا يربو عددهم على أصابع اليدين والقدمين، وأقدامهم الحافية تتقاذف كرة صغيرة من كتان.. يركن مرفقيه على النهاية المعقوفة لعكازه ويتابعهم بفرح لا حدود له كان أحدهم يركض بالكرة بأقصى سرعة يتبعه عدد من الأولاد يحاولون منعه من الوصول إلى الهدف الذي يحرسه صبي أصغر منهم، يحاول أن يسابق الزمن ليتكهن بالنتيجة: هل سيحرز هدفاً؟ أو سيلحقه الأخرون؟ أم أن الحارس سيقطع عليه الطريق ويصد الكرة؟ وبغتة.. يتوقف اللاعب ويمسك ساقه المتشنجة والألم يستوطن ملامحه الغضة، بشعر أن ساقيه اللتين تشبهان غصني عوسجة ميتة قد تدفق فيهما نسغ جديد يافع فيلقي بالعكازة والنظارة والسدارة أرضاً ويطير في الهواء، يدرك صديقه المصاب ويختطف الكرة بمهارة ثم يسابق نفسه ويواجه المرمى، وبقذيفة يشحن بها شجن سنين الطفولة وعنفوانها المفقودة يرفس الكرة بقوة فتمرق من بين يدي الحارس وتدخل الهدف يهتف فرحاً
ـ هدف.. هدف
يتقافز مثل صبي في العاشرة ويدور حول نفسه مرتين ثم يركض صوب الصبي المتشنج مستعيراً ساقي أيل في ميعة شبابه، يحتضن صديقه ويحمله، يدور حول نفسه وهو يقبله ويهمس.
ـ كان هدفاً رائعاً
تصطدم نظراته الممسوسة بكهرب الفرح اللامحدود بعيني صديقه المدهوشتين، يتوقف ويحدق حوله.. يبصر الصبية المتجمهرين حولهما ينظرون إليه بعيون مذهولة وبصائرهم تحاول جاهدة أن تفهم هذا الشيخ الذي برز فجأة من خلف أكمة من تبن مدروس وركض بكل سرعة نحو الكرة وسجل هدفاً.. عندها فقط يدرك أن الصبي الذي تسلل من حناياه ومارس حياته لوهلة خاطفة قد إختفى ثانية في نقطة غائرة في حشاياه.. وإنه الآن مجرد عظام فارغة على جلد مدبوغ تقاومان بلا هوادة نقطة الصفر فيتهالك على التراب ينزف سني عمره الطويل دموعاً تضاهي الندى في شفافيته.
*************
[/color]