من يحكم العراق ..السياسيون أم المراجع الدينية ؟
سمير خوراني
المتابع للشأن العراقي عن كثب يلمح ظاهرة بدأت تهيمن على مسرح الأحداث السياسية, وعلى صنع القرار السياسي, وهي ظاهرة أسميها بـ (تديين السياسة) أو مذهَبَة السياسة, وأقصد بها إضفاء الصبغة الدينية والمذهبية على الممارسات السياسية, والخطاب السياسي العراقي عموماً, إلى درجة جعلت رجال الدين والمراجع الدينية يتعاطون السياسة بشكل مثير ومنقطع النظير, تراجع على اثره دور الأحزاب السياسية, والشخصيات السياسية التي توصف بأنها(مخضرمة ومحنّكة).
والتجسيد الحي لهذه الظاهرة يتجلى في حسم القضايا الإستراتيجية والمصيرية من لدن المراجع الدينية, وتوجيه الأحداث والإستحقاقات بالإتجاه الذي ترتئيه, والذي يخدم مصالح الطائفة والمذهب أولاً, وليس مصالح الوطن, أو المصلحة العراقية بشكل عام.
ولقد رأينا بأم أعيننا قبل تسعة شهور كيف استطاع المرجع الديني الأعلى للشيعة السيد علي السيستاني أن يتسلم دفة القيادة في العراق بكل قوة ويوجه الملايين نحو صناديق الإقتراع, كي يدلوا بأصواتهم لصالح قائمة الإئتلاف الوطني(قائمة الشيعة) ويفوزوا بحصة الأسد من المقاعد في الجمعية الوطنية ومن ثمّ في الحكومة والتشكيلات الوزارية, وغيرها من الإمتيازات.
وها نحن اليوم نشهد الدور نفسه الذي يلعبه السيستاني , حين يفتي أو يأمر او يحثّ الناس على التصويت بـ (نعم) في الإستفتاء على الدستور.
قبل ذلك رأينا أيضاً كيف يحسم قرار لبطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية مار عمانوئيل دلي الجدل المزمن والنقاش الطويل ولعبة جر الحبل وسحب البساط بين الكلدان والآشوريين والسريان, حول من يمثلهم, وبأية تسميةٍ يدخلون الدستور.
فحين فشل الساسة في حسم القضية, اقتحم الساحة, وقلب الطاولة على الجميع, واتخذ قراراً (لا رجعة فيه) بخصوص التسمية,وكان القرار الذي اتخذه هو المعمول به, وهو ما أقرَّته لجنة صياغة مسوَّدة الدستور, والجمعية الوطنية, أما محاولات السياسيين فذهبت أدراج الرياح. ولابد من الإشارة الى أنّ قراراً سابقاً اتخذته المرجعية الدينية الكلدانية قد أقرَّ (الكلدوآشوريين) تسميةً لشعبنا بعد شهر من سقوط الصنم في بغداد.
وإذا أمعنا النظر أكثر في ما يجري من حولنا من أحداث وفيمن يسيِّرها ويوجهها ويرسم إحداثياتها, نرى في الضفة الأخرى أنَّ (هيئة العلماء المسلمين) برجالاتها ومراجعها هي الأخرى دخلت ميدان السياسة وبقوة,فأخذت توجه وتسيِّر وتصرِّح وتحثّ وتمنع وتبارك وتحتج وتقود المظاهرات وتعقد المؤتمرات وتشكَّل الأحزاب من وراء الستار. فهي التي كانت وراء عدم مشاركة العرب السنة في انتخابات كانون الثاني من هذا العام, وهي التي كانت وراء دخول أعضاء من العرب السنة في لجنة صياغة الدستور, ولرئيسها الشيخ حارث الضاري صولات وجولات ومواقف وتصريحات في ميدان السياسة تحدث في كثير من الأحيان رجَّاتٍ قوية في مسرح الأحداث, ويُستَقبل في كثير من الدول العربية استقبال الرؤساء والدبلوماسيين الهامين.
والأمر لايختلف عند الإيزيديين والصابئة, فهؤلاء قد يملكون أحزاباً ومنظماتٍ سياسية, ولكن القرار الأول والأخير سيكون للمراجع ورجال الدين والشيوخ.
وإذا كان ثمة استثناء عن هذه القاعدة, وهو استثناء لا يلغيها بل يؤكدها, فهم الأكراد, فالسياسة عندهم للسياسيين, وتحديداً للحزبين الكبيرين( الإتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني), والقرارات المصيرية تصدر عنهم لا عن غيرهم.
قد تكون هذه الظاهرة غريبة على المجتمع العراقي المتبحر- بفطرته وبظروفه- بالسياسة, وهو مجتمع مثقف الى درجة كبيرة, لكنها -أي الظاهرة- ليست جديدةً عليه, فجذورها متغلغلة في أعماق التربة العراقية قديماً, باعتبار أن العراق كان عبر التاريخ موطناً للأديان ومسرحاً للكثير من الأحداث السياسية- الدينية, ابتداءً من مقتل علي بن أبي طالب مروراً بفاجعة الحسين والأحداث التي تلت ذلك في العهد الأموي, وصولاً الى العصر العباسي وما تخلله من صراعاتٍ سياسية مؤسَسَة على قاعدة مذهبية وطائفية.
ومن يقرأ تاريخ العراق الحديث إبتداءً من دخول الإنكليز, يجد أن الثورات وحركات المقاومة والعصيان كانت في أساسها دينية الطابع, وخير مثال على ذلك ثورة العشرين في جنوب العراق التي يحلو لمعظم الباحثين والمؤرخين أن ينعتونها بـ (الوطنية), فقد كانت ثورةً دينية بالدرجة الأولى, دفعتها العاطفة والحماسة الدينيتين, قبالة ذلك كان الشيخ محمود الحفيد في شمال العراق(كوردستان) يرفض مصافحة الإنكليز( غير المتطهرين) ويعلن العصيان المسلح, ويدخل معهم في قتال عنيف.
ولعلنا نتساءل: ان العراق كان محتلاً من قبل الأتراك العثمانيين طيلة أربعة قرون, عانى فيها العراقيون بكل انتماءاتهم القومية والدينية الأمرّين,حيث الجوع والفقر والمرض والتخلف الشامل. فلماذا لم تتحرك العواطف والغيرة الوطنية, ولماذا لم نسمع بثائرٍ أو متمردٍ ؟!
الجواب بسيط للغاية, وهو أنّ العثمانيين كانوا مسلمين وليسوا (كفاراً) كالإنكليز. وإذا كانت هناك مشاعر كره للعثمانيين, فهي مشاعر كره مذهبية من قبل الشيعة, لكنها لم تكن تصل أبداً الى حد العصيان واعلان الثورة.
وهكذا نرى أنّ السياسة أصبحت من اختصاص رجال الدين والمراجع الدينية, أمّا السياسيين فتراجعوا الى الخلف, وتراجع دورهم, وربما يأتي يوم ويلقون سلاحهم, ويرفعون الراية البيضاء, ويعتزلون السياسة, ويتركون الساحة للسياسيين الجدد( اصحاب العمائم والقلانس).
وما يثير الإنتباه هو الزيارات المكوكية المتكررة لأشهر السياسيين العراقيين الى صوامع ومعتكفات المراجع الدينية وأخذ مشورتهم و نيل بركاتهم والإتكاء على نفوذهم في تسويق برامجهم السياسية.
إنّ هذا لأمر خطير ينذر بعواقب وخيمة على مستقبل العراق, وقد يقودنا الى فتن وحروب دينية- طائفية (لاسمح الله).
هل نحن مقبلون على دولة عراقية (ثيوقراطية)؟
لا نتمنى ذلك( وإن كان هذا مطلب الكثيرين), ولكن كل الدلائل والمؤشرات الحالية تتجه إلى ذلك, إقرؤا ديباجة الدستور وبعض مواده, وسوف تستنشقون رائحة الطائفية, ودولة الطوائف, وستعرفون من يحكم العراق , السياسيون أم رجال الدين؟. إنه عصر المتناقضات,عصر تسييس الدين وتديين السياسة.[/b][/size][/font]