( حتى متى يستمرّ النُواحُ على الأطلال )
في الحقيقة كان القادة العراقيون الجُدُد على قَدرٍ كبير من الديمقراطية بالنسبة لأبناء الشريحة المسيحية الكلدانية الجذور والضئيلة العدد التي تنكّرت لامتها الكلدانية في منتصف القرن السادس عشر وانفصلت عنها بسبب إصرارها على البقاء في المذهب النسطوري متحدّيةً الغالبية العظمى من إخوتها أبناء كنيسة المشرق الكلدانية النسطورية الذين استعادوا المذهب الكاثوليكي مذهب آبائهم وأجدادهم الذي كانوا عليه منذ تأسيس كنيستهم في القرن الاول وحتى القرن الخامس حيث فُرض عليهم المذهب النسطوري وتبنّوه مُرغمين ، بأدراجهم تحت الاسم الآشوري في الدستور نزولاً عند رغبتهم رغم علمهم بأنهم يعودون بجذورهم الى الكلدان .
هذه الشريحة التي يدّعي المتصلّبون من أبنائها بأنهم بقايا الآشوريين القدماء الذين يؤكّد المؤرخون فناءَهم الجماعي كياناً سياسياً ووجوداً بشرياً ما بين عامي 612 – 609 ق.م على أيدي الكلدان بالتحالف مع الميديين ، حيث يقول البروفيسور سيمو باربولا / جامعة هلسنكي قبل أن يشتري ذمّتَه منتحلو الآشورية ويُغروه بما لم يكن يحلم به لكي يتبنّى ما سُمّيَ بعلم الآشوريات( بعد حربٍ أهلية مطوّلة استطاع البابليون < يعني بهم الكلدان > والميديون المُخضَعون سابقاً لبلاد آشور أن يقهروا ويدمّروا نينوى عاصمة الامبراطورية الآشورية في العهد الآشوري الحديث .
وتلاشت المدينة العظيمة في لهيبٍ من النيران ، ولم تستعد منزلتها السابقة أبداً ، بعد ذلك بثلاث سنوات قام نفس المتمرّدين ثانيةً بتدمير العاصمة الآشورية الغربية < حرّان > ساحقين بذلك آخر خندقٍ للمقاومة لملك بلاد آشور الاخير < آشور اوبلّيط الثاني > هذا الحَدث ختمَ مصير الامبراطورية الآشورية .
وهنا ينتهي عادةً عهد الآشوريين في الكُتب التاريخية ) ويُضيف باربولا ( أولاً : قلّما لَمِس علماء الآشوريات هذه المسألة ، حيث يبدو أن أغلبهم يتّفقون وبدون الإدلاء علناً مع الفكرة القائلة بأن الآشوريين قد ابيدوا عن بكرة أبيهم كما ذكر من قبل < سدني سمث > ( إن زَوالَ الشعب الآشوري سيبقى دائماً ظاهرةً فريدة ومُلفتة للنظر في التاريخ القديم ، ممالك وإمبراطوريات مُماثلة قد توارت حقاً ، ولكن الشعب استمرّ في الوجود . . .
لم يُسلب ويُنهَب أيّ بلدٍ آخر على ما يبدوا بالصورة الكاملة كما حصل لبلاد آشور. ) ثانياً : على خِلاف وفرة المعلومات عن فترة الامبراطورية ، فإن المعلومات عن بلاد آشور والآشوريين فيما بعد عهد الامبراطورية هي ضئيلة ومُبَعثرة ، فالافتقار الكامل تقريباً للمعلومات عن بلاد آشور ذاتِها يبدو مؤازراً لفكرة الإبادة الجماعية والتي تبدو أيظاً مُعزّزةً بإفادات شهود العَيان القدماء ) هل هنالك معلومات أوضح من هذه التي تؤكّد انقراض الآشوريين واستمرار وجود الكلدان الذين كان لهم الدور الرئيسي في القضاء عليهم ، بدليل سيادتهم المُطلقة على كامل بلاد ما بين النهرين ومُجمل بلدان الشرق الأوسط .
كيف يُمكن إذاً لباربولا الإرتداد عن أقواله الواضحة وضوح الشمس لو لم يتمّ إغراؤه ليُغيّر رأيه ويتبنّى ما دُعي بعلم الآشوريات ؟
ألم يؤكّد الأب ألبير أبونا في مقالته المنشورة في موقع عنكاوا كوم < البحث عن القومية > انقراض الآشوريين النهائي وتحدّى كلّ المتزمتين من منتحلي الآشورية والمُنجرّين وراءهم من الكلدان المتأشورين إن كان بإمكانهم إثبات العكس علمياً وتاريخياً بعيداً عن الدَجل السياسي والتزوير والمُراوغة !
ألم يقُل المتأشور الكبير جميل روفائيل في كتابه < أضواء على قرار منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية > ( أما الآثوريون ، فيما إذا كانوا بقايا الدولة الآشورية أو الآرامية مسألة غير مستقرّة ) وقد علّل ذلك بقوله ( إن التاريخ لم يُغطّ الأحقاب الزمنية القديمة تغطيةً كُلّية ودقيقة ، ولهذا فالعَملية يتخلّلُها الكثير من الحَدس والتَخمين ) فأين هو الآن من هذه الأقوال ؟ ألا يحقّ التساؤل عمّا دفعه الى هذا التبدّل إما الاسم المُرقّع . . وإلا آشوري ؟ ؟ ؟
وبالرغم من موافقة المسؤولين في الدولة العراقية الجديدة على ذكر الآشوريين في الدستور فإن المتزمّتين من منتحلي الاسم الآشوري والجماعة المُغرّر بها من الكلدان المتأشورين الذين أعلنوا عن تملرّدهم على امتهم الكلدانية جهاراً وبدون خجل ، لا زالوا يوَلوِلون وينوحون ، فمِن قائل الرحمة على الآشوريين وعلى العراق السلام ، مسرحية ذبح قومية ، جنازة اسم الحضارة الآشورية و و و ، إنها بليّة لا تنتهي وقديماً قيل شرّ البلية ما يُضحكُ .
وبليّة هؤلاء الانفصاليين أحفاد كلدان الجبال هي الفرضية الآشورية العقيمة الاسطورة التي أتقن حبكها المبشّر الأنكليكاني الداهية وليم ويكَرام وأطلقها على آبائهم في منتصف القرن التاسع عشر ، فهاموا بها الى حد الجنون وسرى هذا الجنون الى أحفادهم المعاصرين رغم تبلور الوعي وانجلاء الحقائق التي أُخفيت عن الانظار لتمرير المآرب الخفية والمصالح السياسية .
والأغرب في هذه البليّة أن أحفاد منتحلي البدعة الآشورية يريدون فرضها على أحفاد إخوة آبائهم وأجدادهم الكلدان النساطرة أبناء كنيسة المشرق الذين استعادوا مذهب آبائهم وأجدادهم الكاثوليكي كما أسلفنا ، فهل مِن حماقةٍ تعادل هذه الحماقة التي تتنافى مع كل ثوابت العقل والمنطق والواقع ! .
وإذا أخذنا بمنطق التاريخ الذي يؤكّد عدم انقراض الشعوب في حالة زوال كيانها السياسي ، وإنما يؤول مصيرُ بقاياها الى الامتزاج والاختلاط مع الشعوب الاخرى وعلى الاغلب الشعوب المنتصرة عليها ، ومن المؤكّد وبدون أدنى شك أن بقايا الآشوريين إن وُجدت فإنها قد امتزجت في الشعب الكلداني المنتصر وأصبحت بتقادم الزمن جزءاً منه لا يتجزّأ ، فهل يُعقل وبعد مرور قرون أن تدّعي تلك البقايا المنصهرة في مجتمع ذلك الشعب بعائديته الى اصولها وعلى أيّ أساس ؟
كما نوّهنا أن كنيسة المشرق تبنّت المذهب النسطوري في القرن الخامس مُرغمةً تحت الضغط السياسي والصراع المذهبي وأصبحت التسمية النسطورية بمثابة تسميةٍ قومية للكنيسة وأتباعها تُطلق على كلّ مُعتنقٍ لهذا المذهب بغض النظر عن هويته وانتمائه القومي ، وتذكرُ إحدي وثائق الفاتيكان بأنه عندما أراد نساطرة قبرص العودة الى الكثلكة توّجه اسقفهم المطران طيماثيؤس وبمعيّيته مطران المارونيين الى روما لإبرام وثيقة الاتحاد الايماني مع الكنيسة الرومانية الجامعة عام 1445 م كان على طيماثيؤس تغيير لقبه النسطوري بلقبٍ آخر تُستدَلّ منه هويّته .
فوقّع الوثيقة على النحو التالي : < أنا طيماثيؤس رئيس أساقفة ترشيش على الكلدان ، ومطران المقيمين منهم في قبرص ، بالأصالة عن ذاتي وباسم كافة الجموع المتواجدة في قبرص ، اعلِنُ واقِرّ وأعِدُ أمام الله السرمدي الآب والابن والروح القدس ، وأمامكَ أيها الأب الاقدس والطوباوي البابا اوجين الرابع وأمام هذا المجمع < الاتيراني > المقدس ، بأنني سأبقى دوماً مطيعاً لكَ ولخلفائكَ وللكنيسة الرومانية المقدسة بإعتبارها الأم ورأس الكنائس كافةً > .
وبناءً الى ذلك أصدر البابا اوجين مرسومه البابوي في السابع من شهر آب لعام1445 م كما يلي ( وطيماثيؤس ذاته ، أعلن بكل احترام ووَرع أمامنا في هذا المجمع الاتيراني المسكوني وفي جَلستِه العامة ، صيغة ايمانه وتعليمه بلغته الكلدانية أولاً ، ثم تُرجمت الى اليونانية ومنها الى الاتينية) .
واستناداً الى هذا الاعلان الوحدوي ، يمنع اوجين الرابع أن يُسمّى أحد الكلدان فيما بعد نسطورياً ، كما يُمنع أن يُسمّى المارونيون هراطقة ، ويتساوى منذ الآن الكلدان والمارونيون بالحقوق والامتيازات الدينية مع الكاثوليك كافةً ). فإذا لم يكن النساطرة بالأصل كلداناً لَما قال مطرانهم ذلك ! وإذا كان منتحلو الآشورية المعاصرون يحاججون بأن التسمية الكلدانية قد اطلقت عام1445 فإن التسمية الآشورية المنتحلة قد أطلقها المبشّرون الأنكلو – سكسون في منتصف القرن التاسع عشر أي بعد أربعة قرون من اعتماد التسمية الكلدانية .
وليعلم هؤلاء النائحون بأن القومية بمفهومها العصري لا تقوم على عوامل الأرض واللغة والتاريخ والعادات والتقاليد المشتركة فقط بل هي انتماء حُر ورغبة خاصة تُفرزهما إرادة حُرّة ، فالكلدان أحرار في اختيار قوميتهم العريقة وليس في الكون قوّة تسلبهم هذا الحق ، لشعبنا المسيحي في العراق تسميات ثلاث وكل منها عزيزة على أصحابها ، فلماذا السعي غير المجدي الى تشويه جمالها بايجاد تسمية واحدة من المستحيل أن يتفق عليها الأطراف الثلاثة .
وهنا يحضرني قول للكاتب والفيلسوف اللبناني المعروف جبران خليل جبران حول التعاون حيث يقول ( إملأوا كؤوس بعضكم بعضاً ، ولكن لا تشربوا من الكأس الواحدة ، شاركوا بخبزكم فيما بينكم ، ولكن لا تأكلوا من الرغيف الواحد ، كونوا فرحين دوماً وليحتفظ كلّ منكم بفرحه ، إذ كما أن للقيثارة عدّة أوتار وكلّ وتر فيها منفصل عن الآخر ، ولكن جميعها تشترك بإخراج نغم واحدٍ ) فما الضير إذا كنا بثلاثة أسماء ونسعى متكاتفين متعاونين بالعمل المشترك لخير المجموع ! وبذلك يحتفظ كلّ منا بخصوصيته اسماً وكياناً .
الشماس كوركيس مردو
في 28/ 9 / 2005