وحدتـنا القومية ومهازل التراتيل الفضفاضة
بقلم : ميخائيل ممو
رئيس تحرير مجلة حويودو
[/font]
خلق الله الكون ليكون الأنسان ظله على الأرض ، ويُكـِّون صورة مماثلة لصفاته مؤطرة بتعاليمه التي أوحى بها لرسله بغية تعميمها على البشرية جمعاء ومن دون إستثناء.
من هذا المنطلق الواضح والصريح تحدونا أحداث العصر لأن نوجه منظارنا في وقفة تأملية نستجلي من خلالها ما أمِـرنا (بضم الألف المهموزة) به وما توصلنا اليه وما استنتجناه في عالمنا الخاص الذي نعيشه اليوم ونستأنس به تلبية لمشاعرالغرابة المحفوفة بنظرات ملؤها الحقد والكراهية والحسد واستصغار ما لا يتقبل التصغير ، أو تعظيم ما لا يناسبه التعظيم ، وكأننا ما فتأنا نعيش في عصر من عصور الجهالة لا الوعي والعدالة. نعم .. وكأننا نطارد الغزلان في الغابات المهجورة منذ عصور الأنسان الأولى التي كانت تتحكم فيها الحيوانات الكاسرة والمكشرة الأنياب لتصارع ذلك الأنسان الذي يتسلح بأبسط وأضعف وسائل الدفاع عن النفس.
أما اليوم .. فدعونا نتساءل ، أين نحن من تلك الأعتبارات في مطلع الألفية الثالثة التي بلغت شأواً بعيد المدى من عالم التطور والتقدم ، يتحكم فيه جهاز صغير بإدارة اصبع واحدة صغيرة وواهنة لا تتناسب وضخامة جبروت الأنسان وفكره النير الذي هو وليده. أجل.. أوصل الإنسان التكنولوجيا الى قمة التطورخدمة لكل فرع من فروع المعرفة ، وبقي هو يتراوح في مكانه يحتضن أعماق الحضيض بتزمته الفكري المشوب بعنصرية التأمل ، وقاحة الخبث وعنجهية مبـالغ فيها. ومتى ما تساءلت بما مفاده: لمصلحة من؟ ومن المُـنـتـفـع؟ وما الدافع؟ لأستلمت أجوبة تهديك لمتابعة الأفلام الكارتونية التي لا يطيقها حتى الأطفال ومعززة بنغمات تراتيل فضفاضة وهشة شبيهة بنقيق الضفادع الجائعة التي لا تعرف للحياء معنىً مهما جعلتها تمتثل للسكون والهدوء الذي لا يجدي نفعاً ، ولتضطر بالتالي لإستعمال اسلوب البصاق في وجهها ، ولتقول لك علانية : ما نفع بصاقك في الوجه الذي لا يقبل الحياء.
وأنا مسترسل في الكتابة هذه إنتابتني نوبة " آخ " وتلتها سلسلة من " الآخات " التي نتداولها في عرفنا الشعبي من التظلم مجسدة شارات الحسرة والتأسي والحزن على من هم أحياء ولا يدركون بأنهم يشدون على رقابهم حبال الموت ، وعلى من هم موتى الضمير ولا يدركون معنى صوت الله في الأنسان ، وعلى من هم قادة الجبهات ولا يفقهون من فحواها شيئاً .. ليتساءلوا: أهي جبهات الوجه؟! جبهات الجهات؟! أم جبهات القتال؟! وحبذا لو كانوا قد استدركوا فحوى جبهات القتال.. لكانوا قد عرفوا معنى التعاضد والاتحاد وفاعلية ذلك في كسر شوكة من تُسوّل له نفسه على نشر بذور الفرقة والشقاق والنفاق.
حتام تشهرون سيفكم في وجوه من يلتحفهم الفقر والجهل والقهر والغباء؟ وحتام تلعنون من هم اساسكم من المثقفين والمدركين والملافنة الذين من خلالهم تبوأتم مراكز الأمر والنهي ، ولتثبتوا فيما بعد تغاضيكم عن رضاعة التوجيه والإستقامة ، ولتشكلوا أبراج الفخفخة الفارغة ، لا قلاع الصمود والتحدي.
أين أنتم من الصفات الحقيقية يا من توسمتم بصفة الأوصياء على التعاليم الالهية ؟ أين أنتم من نصوص الوحدة الكنسية؟ أين أنتم من مبادئ الوحدة القومية؟ أين أنتم من قواعد الأعتراف بالواقع وأين وجهتم نظرتكم الأنسانية لإنتشال أبناء الشعب الواحد من مهاترات ضعفاء النفوس ومن الوصوليين والنفعين الذين بمعرفتهم ارتموا بين أحضان من يدس السم في العسل؟
يبدو أن ديدنكم هو نشرعدوى داء الدوار ليستقر بهم الأمر في مشفى برنامج " قومية الدين " لِـنـَحْـل تعاليم جديدة اساسها التقوقع الأعمى ، وفلسفتها سفسطة الأنعزال والإبتعاد ومن ثم الإلتحام والإنضواء تحت لواء وراية كل ما يتماثل وينصاع لتعاليم بناء الذات النرجسية الفوضوية والإحتكارية الممقوتة.
ان عصر العولمة طرح مفاهيم عصرنة الأنسان ليتسلح بمنطق العلم وبكل ما تمليه تجارب وثقافات شعوب العالم بغية التغييرالمثمر وإلقاء نظرة التأمل لقمة الجبل الشامخ لا للسفح المائل ، ولأبعاد الآفاق من ارضية الصياغة المعرفية والمنهجية المبنية على المنطق العلمي لأثبات واقع مفاده " أنا أفكر اذن انا موجود " لا على اعتبار مفاده انا موجود اذن دعني افكر، لكون التواجد حالة زمنية ومرحلية ، ولكون معين الفكر أحداث الساعة على الساحة ، وجولات تمليها الأجواء الملبدة بالغيوم ، وفي احيان أخرى متى ما أفرغت تلك الغيوم حملها الثقيل.
فدعونا اذن يا حملة أسفار الكتب السماوية ، ويا مُـسنـّي مواد الأنظمة الداخلية ويا مُشرّعي نصوص وفقرات الدساتير الدائمية ، ويا واضعي بنود القوانين العرفية التي تفوح منها رائحة التعصب العشائري والنزعة العنصرية ، نفرغ من خزائن العقول أثقال فكر التزمت وآراء التصلب الأعمى التي عادة ما تقود الى الهاوية.
ان المرحلة الآنية بأحداثها المؤلمة الموجعة والتي تشوب واقعنا المرير تدعونا لأن نكون صريحين وصادقين في تعاملنا لنثبت وجوداً موحداً متكاملاً وفاعلاً حتى وإن كان نسبياً ، لا أن نصاب بعمي الألوان من قوة الدولار. ولنعلم جميعاً ونضع على بالنا بأن وحدتنا حالة طارئة في المرحلة الراهنة لا مراهنة عليها طالما نستدرك بأننا اليوم أمام محنة كبيرة ومؤامرة مبيتة ، وإلا لنقرأ الفاتحة على وجودنا كما قرأ شعب بابل على وجوده بتآمره الخياني مع الفرس الميديين ضد بني جلدتهم من الشعب الآشوري وبالتالي خيانة الفرس لهم وزوال السلطتين من الوجود آنذاك. وكما قرأ الفاتحة دعاة الوحدة القومية أمثال مار بنيامين وآغا بطرس ويوسف مالك وبرصوم الأول وغيرهم ممن حضروا وشاركوا في مؤتمرات عالمية ضمن عصبة الأمم والدول المعاضدة للمعضلة الآشورية في الحربين العالميتين وبالتالي فشل كل محاولاتهم ، وضياع جهودهم عبثاً ، وطوي ملفات نداءاتهم وصرخاتهم وايداعها على رفوف النسيان يغازلها الغبار وذلك من جراء إقدام شرذمة على استنكار وجودهم كممثلين شرعيين لحل المسألة الآشورية التي تبنتها بعض الدول وايدتها دول أخرى.
لنتعظ من هذه التجربة التاريخية ، لكي لا يعيد التاريخ نفسه بحلة هذه السليبة ومن ثم سحب البساط من تحت أقدامنا ، طالما ندرك التآمر الذي يبدو واضحاً وجلياً من تجاوزات الغرباء من جانب ومن الارهابيين والتكفيريين من الجانب الآخر والشواهد لا تحصى ولا تغرب عن البال.
نعم لنتعظ من تجارب الشعوب وأن تكون تجربة الشعب الكردي الحديثة العهد عبرة لنا بتقارب وتآزر الحزبين الكرديين الرئيسيين حين وضعا الأهداف الرئيسية والجوهرية فوق كل اعتبارشخصي ، وما توصلا اليه اليوم على ارض الرافدين مهد الحضارة الآشورية التي أصبحت مأوىً ومرتعاً وطنياً لكافة مكونات الشعب العراقي دون تفاوت.
اذن لنكن متسلحين بالحذر ، ونعيد قراءة تاريخنا وواقعنا وما آلت اليه مواقفنا من هشاشة بيقظة تامة وعين ثاقبة وضمير حي ، وأن لا نبتسم لأنياب الأسود والذئاب والثعالب البارزة من منطلق الظن بأنها تبتسم ، وكما قال الشاعر المتنبي :
إذا رأيتَ نـُيـوبَ الـلـّيـث ِ بارزة ً فـلا تـظـنَّ أن الـلـّـيـثَ يـبـتـسـمُ