الرسالة 14 من تحت الأنقاض


المحرر موضوع: الرسالة 14 من تحت الأنقاض  (زيارة 673 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Abdullah Hirmiz JAJO

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 604
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الرسالة 14 من تحت الأنقاض
« في: 19:49 28/09/2007 »
      
صديقي الوفي: أكتب لك اليوم عن معاناتنا في العراق وعن الديمقراطية وتطبيقاتها الخيالية والتي لا تشبه أي تطبيق للديمقراطية في أي بلد آخر يعيش شعبه ونظامه الديمقراطية الصحيحة.
إننا في العراق نعيش الحالة الشاذة لهذا النظام المتطور للحياة والتي تعلمنا عندما بدأنا نفهم الحياة معا بأنها حكم الشعب، والأقلية تخضع لرأي الأكثرية، وأكثريتها تحترم رأي الأقلية، لتعيش جميع المكونات حياة متحضرة وبأمان وسلام ويعملون من أجل التقدم وتطوير البلد نحو درجات متقدمة لكي يواكبون ركب العالم المتقدم.
إنها الحالة الشاذة كما ذكرت لك بحيث نحن مستمرون بذات الحياة وفي كافة ميادين الحياة المضطربة أصلا، لأننا فقدنا الأمن ... فقدنا الخدمات ... فقدنا الحرية ... فقدنا كل شيء يحتاجه الإنسان في زمن القرن الحادي والعشرين، وها أنني أعيش كما أكتب لك من تحت الأنقاض لأن بلدنا قد امتلأ منها وتزداد يوميا بحيث نشهد منها أكواما لا تعد ولا تحصى وأيضا أصبح بلدنا مخزنا للكتل الكونكريتية التي تضعها السلطات تفاديا للخسائر أو لتقليلها عند حدوث ما لا يُحمد عقباه وحسب رغبة الأشرار.
أنت تعيش في بلد قد يمارس نوعا من الديمقراطية الأقرب للصواب مما نحن عليه، وتعلم أن الحكومة عندكم تحسب لرأي الشعب ألف حساب في تقديمها للخدمات وإنجازها لأعمالها وهدفها من خطتها في أداء مهامها هو أرضاء الشعب ورفع مستواه في كافة الميادين، وشعبها يترصد الاخفاقات بغية تقويمها وعدم استفحال الخلل إن حدث، ومشكلة معينة تدفع بالحكومة للاستقالة وترك المجال للآخرين كي يجربوا علّهم يحققون الأحسن وقد يصل الأمر إلى حلّ البرلمان إذا تلكأ في إداء مهامه ووصلت الأمور إلى طرق مسدودة بحيث يلجأ الرئيس إلى حله والدعوة للانتخابات بغية تطويق الاخفاق والعودة إلى الأسلوب الأصوب في تمشية الأمور.
وأيضا نسمع ونقرأ أن المسؤولين في البلدان الديمقراطية يعترفون بأخطائهم ويعتذرون من شعوبهم ويعدوهم بأنهم سيُصلحون حالهم نحو الأحسن في سياسة حزبهم المستقبلية، وهذا يخلق شفافية قلّ نظيرها في بلداننا المبتلاة بحكام يمارسون ديمقراطيتهم الخاصة ويكونوا هم مصدر السلطات ويدفعون بشعوبهم بوسائل متعددة لينتخبوهم مدى الحياة ويصبحوا قادة عظماء على الأقل بنظرهم فقط، أما شعوبهم فقد ملّوا من الحديث عن السياسات الخاطئة لأن ذلك يجعلهم يدخلون السجون والمعتقلات وتعذيب وإذلال لا يعرفه سوى من يعيش اللحظات الرهيبة في المعتقلات الخفية التي لا تعلم بها السلطات الدولية، وكنا نسمع عن فلان وعلان الذين اختفوا وانقطعت أخبارهم لأنهم توهموا أن باستطاعتهم تغيير الأمور، لكن الأمور في بلداننا تبقى رغم أنف كل الدول المتحضرة كما هي والضحايا يزدادون باستمرار لأن لعبة المصالح لهذه الدول تغطي عيوب الحكام والضحية معروفة دائما وهم نحن الشعب المغلوب على أمره.
ولكننا في العراق استبشرنا خيرا عندما كانت الولايات المتحدة تحضّر لما جرى في بلدنا وكيف كان الرئيس الأمريكي يتحدث بمليء فيه عن عراق جديد يكون أنموذجا لكافة دول المنطقة وكان يقصد الديمقراطية التي سيشهدها العراق بحيث سيحسدنا عليها أبناء الدول المجاورة حتى ذهبت بنا الأحلام كما كان يتحدث لي بعض الأصدقاء أن نية الرئيس بوش هي أن يصبح العراق الولاية 51 من الولايات الأمريكية المتحدة!!! وحلم آخرين أكثر بأن الدخول لذلك البلد سيكون بالهوية الشخصية، ولم يكن محتاجا العراقي للحصول على تأشيرة الدخول لأننا سنصبح بلدا واحدا، ولم تكن هذه الأحلام نتيجة ما يتمناه الشعب بل لأننا في العراق عشنا حصارا عالميا ومُنعنا من السفر وظلمنا بعدم منحنا تأشيرة السفر لدول العالم حتى لو كانت جيوبنا ملأى بالنقود، بسبب سياسات حكامنا وحصولهم بامتياز لكره العالم لهم وبالنتيجة لنا لأننا لم نفعل ما بوسعنا لإحداث التغيير من الداخل!!!
واليوم يا عزيزي: كما كتبت لك في رسائلي السابقة أننا نعيش أزمات كثيرة واحدة منها كانت ستطيح بالحكومة لو كنا في بلد يعيش الديمقراطية الصحيحة، فكما تقر أو تسمع حكومتنا اليوم فقدت نصف وزرائها إما بالاستقالة أو الانسحاب أو احتجاجا، ولازالت الحكومة تعمل دون أن تستقيل لكي تترك الأمر للبرلمان الذي ربما يعيد ترتيب الأمور!!!
 ونحن أيضا وخاصة في العاصمة نعيش حالة من فقدان الكهرباء التامة فبعد أن كتبت لك في السابق أن الكهرباء تقطع أربع ساعات ليعطونا ساعتين أو ساعة لكل سبع ساعات قطع أصبح الوضع اليوم أسوأ إذ نحن محظوظون إن حصلنا على ساعتين من التجهيز كل أسبوع تصور!!! ووزارة الكهرباء تعمل وتحصل على ميزانية ضخمة والتصريحات الرنانة نقرأ عنها باستمرار دون أن يخجل المسؤولون مما يعرضون للشعب من أذى ولا يكلفون أنفسهم حتى الاستقالة وأعلان الفشل!!! فمتى سيحسون أنهم فاشلون ولا يستطيعون خدمة الشعب؟ وليس هذه المشكلة فقط بل أن حال الوقود والحصول عليه يتفاقم باستمرار ونحن البلد الذي يعوم على بحيرة من النفط نتحسّر ونحسد من يملأ خزانه بالسعر الرسمي الذي تضاعف هو الآخر عشرات المرات منذ أن دخلنا في الديمقراطية التي جلبتها لنا أمريكا!!! ووزير النفط يسير متبخترا ويسافر ويعقد الاتفاقيات والشعب يعاني الأمرين عند بحثه عن حاجته للوقود وبكافة أشكاله، وأيضا هذا المسؤول لا يمتلك الشجاعة لكي يعتذر من الشعب وينسحب لكي يحل آخر محله علّه يحلّ المشاكل!!! وتسمع أيضا عن خطة فرض القانون، وكما قلت لك أن بلدنا أصبح مخزنا للكتل الكونكريتية، ورغم أنف كل الاجراءات فإن مسلحين دخلوا لدائرة مهمة في وزارة النفط ليخطفوا الوكيل الأقدم للوزارة عيني عينك وأمام كل الكتل الكونكريتية وكافة السيطرات الرسمية التي هي بالمئات وفي كل مكان من العاصمة ولازالت أجهزة الأعلام تتكلم عن النجاحات التي تحققها الخطة وتذيع أرقاما عن انخفاض نسبة الجريمة!!! إنها أمور تثير العجب!!!
ولازالت الحكومة صامدة لأن البرلمان منهمك بتحقيق أكبر المكتسبات لأعضائه فهي فرصة العمر لكي يصبح أحدهم عضوا أو رئيسا للبرلمان لأنه سيخرج براتب تقاعدي بعشرات الآلاف من الدولارات بينما خط الفقر عندنا يزداد سوءا!!! فكيف يحاسب البرلمان الحكومة وهو منهمك بأموره الجانبية وتأمين حال أعضائه؟ لكن العيب ليس بهؤلاء أيضا بل بنا لأننا من أوصل هؤلاء إلى المراكز التي هم عليها، ولازلنا نحجم عن الخروج إلى الشارع لاعلان تذمرنا مما يجري، وإن سئل أحدنا (شلونك؟ يقول كلش زين) كيف يا صديقي نكون بحال جيدة وهذا هو حالنا؟
كتبت لك عن حال ديمقراطيتنا لكي تعمل جاهدا من موقعك ومعنا كل أصدقائنا في العالم لاصلاح ما يمكن أصلاحه لأننا نسير نحو هاوية فاتحة فاها لتلتهم كل من أضناه السير ويقع مستسلما للقدر الذي لا يرحم!!! وربما تسمع أناسا لازالوا يتغنون بالسلطة ويقصدون القصائد وينظمون الأشعار لأنهم مرتزقة يعيشون على هذا الحال؛ حال التملق والعيش على آلام الآخرين، لنصرخ بأعلى صوتنا وأنت معي وجميع أحرار العالم لأن صوتي من تحت هذا الركام والتشويش الذي نعيشه في العراق قد لا يتجاوز المكان الذي أحارب فيه من أجل البقاء، علّنا نسمع صوتنا بأن لنا حق أن نحلم بحياة أفضل مما نحن عليها وأن يكون لنا حقوقا ربما مثل حيوانات الغرب، هذه الدول التي لها منظمات الرفق بالحيوان، بينما نحن لدينا منظمات ليس للرفق بالحيوان إنما لذبح الإنسان وإراقة دمائه أو أرهابه لكي يذهب بعيدا ويترك مقتنياته وأملاكه لكي يرتع بها من ماتت ضمائرهم!!!
ولكن نقول رغم كل هذا أن الأمل موجود ومن أجله نستمر بالحياة ولولاه لوضعنا حدا لحياتنا لأننا نموت يوميا، فاعمل لكي نشعل شمعة وسط هذا الظلام الحالك وليكون غدنا قريب لنا ولكي نلتفت لمداواة جروحنا، ومن هذا الواقع تقبّل تحيات صديقك الذي لن ينساك ما دام حيا.
عبدالله النوفلي
18 آب 2007