قصة قصيرة جداً
التصفيق
هيثم بهنام بردى
دخل القاعة يقدّم قدماً ويؤخر أخرى، سحره الصمت الذي أعقب تلك الجلبة المكتومة للأجساد المعروقة المتدافعة للخروج إلى الفضاء، توقف... رفع رأسه وشمل أرجاءها ببقايا نظرة كسيرة مليئة بالشنار وجسده يعرق الخيبة والفشل، والإحساس بالضآلة يعرّية حتى العظم، صفدته النافورة التي تتوسط القاعة ، لخرير ماءها وهو يتدفق من الخوذة المعفّرة بالدم والتراب، واللذان في يشكلان في تكلسهما وتآصرهما خميرة خبز سماوي له طعم شهد لا ينتجه نحل أرضي، والنافورة تتجه بأبصارها نحو صدر القاعة حيث تشخص منصة من خشب الزان يتدفق منها صفان من الكراسي البلاستيكية... ويا لعجب الزمن، الزمن كائن فريد كلما توصلت إلى إستغوار ملامحه تترجرج إلى كائنٍ جديد،.... ابتسم بمرارة، ما يفكر فيه ألآن هو الشعر بعينه، ومن خلل الدمعة النازفة من مآقيه أبصر شاعراً له ملامح تتطابق مع ملامحه يتجلى على المنبر مصحوباً بالطوفان الهادر من أعماقه ليصطدم بالصمت المريب الذي يتشرب من الوجوه المصلوبة على جدران القاعة، والعطش في عيونها العطشى ليس للشعر حسب بل لتراتيل الملائكة،... أحاط الصور المصلوبة فوق المربعات المرمرية المرصوفة بنسق ينافس حجيرات خلية النحل في تناسقها، وهمس يناجيها.
- إنني أحتكم إليكم، إليكم حسب... هل أنا شاعر فاشل ....؟
لمح الوجوه تغادر شواهدها وتتجّبب أجسادها الأثيرة وتقتعد الكراسي بهدوء مهيب ثم شخصت أبصارها إليه، أخرج ورقته المدعوكة، بسطها فوق المنبر واستدعى ربة الشعر التي وافته ترفرف فوق هامته بشكل سرب من الفراشات تحترق في الاحمرار الباذخ للماء المتدفق من الخوذة لتسقط شظايا من أوراد النرجس فوق الحوض الذي يتهادى ماؤه بسكينة الفراديس،......وأكد المكلفون بغلق المتحف بعد الأمسية الشعرية، أنهم رأوا الشاعر الذي كان يبكي في الطوار قبل انتهاء الأمسية بعد أن خذله الجمهور يقرأ قصيدته للكراسي الفارغة والنافورة المتدفقة بالماء والغسق الزاحف إلى الأرجاء، كل هذا أدخلوه ضمن المنطق كون الشاعر في حالة خاصة، ولكن غير المنطق في الأمر ( ويعززون ذلك بالقسم ) إنهم سمعوا تصفيقاً متواصلاً ولأكثر من خمس دقائق، ولكن ممن ....؟!!!