كريم العراقي وسعدة و العصفور والمطر..
رحيم العراقي
أتذكر...سطح دارنا ..وشقيقي الأكبر كريم وهو يكتب ..
ويبتسم..ويتحدث مع الدفتر المدرسي..ويدخن..ثم يصمت وتدور هالة من
الكآبة فوق رأسه..وكأنها شفق الغروب الذي يحيط بشمس ذلك اليوم
الربيعي من عام 1972..لأول مرة انتبه الى عمق الحزن الكامن في
عيني هذا الفتى الذي لم يبلغ العشرين لكنه شغل معهد المعلمين
والمقاهي ومحبي الشعر الحميمي.. وأرى معالم وجهه النحيل واضحة..
أمس الأول قرأ لي:
_ ما عندي سياره ولاعندي عماره
ولايقربلي واحد من أهل الإماره
بين الشفّه والكَاع مثل عمر الجكَاره..
وبالأمس كنا أنا وأبي نحمل كريمأً الى عيادة الدكتور مجيد الراوي في كرخ بغداد.. قال:
_ هذا الفتى الكئيب..قد يصاب بما هو أشد ..دواؤه :حنان..وفرح..
إستنكر أبي هذا..لأول مرة يعرف بوجود داء لا يوجد له دواء في الصيدليات..
قبلها بيومين جئنا من البصرة التي يحبها بقطار آخر الليل.
وعندما أفقت صباحاً نظرت الى كريم في مقعده فوجدته نائماً وبين يديه
تتبعثر تفاصيل وأبيات قصيدته الجديدة :
(( سعده والعصفور والمدرسة..))
سعده بت شارعنه شكَره وسعده قارب ما رسه
راح يسكَــــيهه مطــرنه وبّرعمت بالمدرســــه
مكّلله بجفيه نيلي..والشرايط كَمبرات
تجي كَبل الطالبات
إشما يجيهه بالحلم
ترسمه بالغُبشه رسم
راسمه نخله طويله ..وبلم مكَلوب ونهر
وراسمه شمس الغروب..شمعه معتلكَه إبجرح
وراسمه رّحال بدوي..باديه بكلمة ملح
تالي ومكّملّه وجهه.. وذايبه كلمة ملح
وراسمتني آني عصفور المدينه
أبيض بلون الصُبح..
المعلمه شافت الدفتر وشّكت :
__ إنتي يرسملج أبوج ..هذا بدوي من صدكـَ
راح يصعــد للعثكـَ
وهذا عصفورج حقيقي..يريد يحجي..يريد بالمدرسه يطير
__ ست خطيه.. ست فقير..
__ أس..أسكتي ولا كلمه..
__ ست إذا أرسمله نجمه..
__ تحتركـَ..لا..تحتركـَ..
__ ست إذا تحضنها غيمة..ست..إذا..
__ لا تحتركـَ..
يفتح العصفور جنحه..للسماوات الزركـَ
يرَفرف َ العصفور جنحه..وتنطبكـَ
..الطفله.. حلّت ظفيرتهه
الطفله صفنت وانحنت
الطفله..جّفيّتهه نيلي
كـَطعت الدكـَمه وبجَت..
هـــيَ منين إلهـه رسـّام
أبوها عاجز..ساكن بكَـــــبة إمام
الطفله..بالدمعات غركَت شهادتهه
..آني عصفور الطفوله..وما أكـــَوله :
هـيَّ رسمتني بديها واني شايل علامتهه
طحت من نخلتهه فحمه ليش شكّت مُعّلْمتّهه..؟
كريم العراقي
ليلة20-21/3/1972
قطار بغداد_البصرة
..إنتشلني كريم من أفكاري عندما ناداني بعد أن أحس بوجودي..قال :
إسمع:
إجه المطر وإنته بلا حبيبه
وراح المطر وإنته بلا حبيبه
سهارى إنته والكَمر..وعيونكم غريبه
..لالا يليلي لالا لالا لالا
نبض الكَلب رساله..لالا لالا
وصمت المحب رساله..لالا لالا
الكَمر جيرانه النجم واني الناس جيراني
كلمن يضّوي إلجاره سمـا وكَاع نواره
..آنا حبيبة عمري لون الياس
تلبس الطيبه وتفرح إلكل الناس
نبع الأمل بعيونهه ونظراتهه مواعيد
والدنيه تزهي إبلونهه للناس فرحه والعيد..
ثم اردف كريم :سأكملها ..ما رأيك..؟
..وعاد الى شروده مع القلم الرصاص والدفتر المدرسي قبل
أن يسمع جوابي..بعد سنوات سمعتها بصوت الفنان سامي كمال
بعد ان لحنها المرحوم كمال السيد وغّير كريم بعض المفردات وأضاف بعض الأبيات..
لكنني لا أتذكر منها الآن وبعد مرور ثلاثين عاما سوى المقاطع التي
قرأها لي كريم على سطح دارنا.