أين خصوصية عنكاوا؟

المحرر موضوع: أين خصوصية عنكاوا؟  (زيارة 1218 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Saadi Al Malih

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 64
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
أين خصوصية عنكاوا؟
« في: 17:49 05/10/2005 »
العين تسمع والأذن ترى
أين خصوصية عنكاوا؟
د. سعدي المالح

في عام 1993 عندما زرت عنكاوا بعد غياب 16 عاما كان قد تغير الكثير في تلك القرية الصغيرة التي تركت.  كنت أعرف  من بعض العنكاويين الذين التقيت في الخارج أن عنكاوا قد تغيرت وثمة شوارع  وبيوت جديدة قد ظهرت فيها، لكني مع ذلك كنت واثقا من نفسي من أنني سأعرف  الطريق إلى بيتنا وأبلغه من دون عناء.
كانت الساعة في حوالي التاسعة مساء، وعنكاوا غارقة في العتمة حتى أذنيها بسبب تقنين الكهرباء. عرجت بنا السيارة من شارع الستين الذي يلتف حول أربيل إلى الشارع المؤدي إلى عنكاوا. قلت للسائق هذه هي دور ضباط الصف، وهناك كان ثمة مدرسة للراهبات. ثم بعد كيلومترين ؛ وهذه " كوران". وبعد بضعة مئات من الأمتار وجدت نفسي في شارع حديث تصطف بيوت وقصور جميلة على جانبيه. سألت السائق:" هل أنت متأكد من أننا دخلنا عنكاوا؟´ قال:" طبعا .. جئت إليها عشرات المرات".
عندما تركت عنكاوا في عام 1977 كان ثمة شارع رئيس واحد يربطها بأربيل، وكان الشارع باتجاهين الذهاب والإياب.
واليوم فتح شارع جديد عند مدخلها باتجاه واحد يدخله القادم من أربيل، أما القديم فخصص للإياب. هذا ما لم أعرفه، وربما كان الظلام أيضا سببا في عدم معرفتي الطريق، فصرت أقول للسائق  أدخل من هنا فيدخل، ثم استدر يمينا فيستدير، بعد ذلك يسارا فيعرج. لكني لم أعثر على أي ملمح يقودني نحو بيت أهلي.
ولما رأى السائق أن الوقت يمضي وأنا أتخبط في الطرقات اقترح علي أن نسأل أحدا. كان الأمر محرجا، لكني وافقته وإن  على مضض. أوقف سيارته أمام بيت كان يخرج منه بعض الشباب. نزلت من السيارة. لفحتني نسمة هواء باردة ( كان الوقت في أوائل آذار) توجهت نحو الشبان الثلاثة. انتبهوا لي فتباطأوا. كانت بيننا مسافة تقدر ببضعة أمتار. وقفت وأردت أن أحدثهم.
كان الموقف صعبا جدا. صعد الدم إلى رأسي فغص حلقي وحبس صوتي. لملمت عواطفي وحاولت التحدث إليهم مرة أخرى. اختنقت الكلمات في مكان ما وأجهشت بالبكاء . اقترب مني الشباب الثلاثة مندهشين وقبل أن يبادروا بالسؤال قلت لهم بصوت يكاد لا يسمع : أنا فلان ، دلوني على بيتنا.
في تلك السنة كان قد تغير الكثير لكن الناس أنفسهم كانوا أقل تغيرا. حتى مراتع الطفولة كانت باقية: محلتنا القديمة وأهلها، الحقول والبيادر والبساتين. أبي وأمي وأخواتي وأقربائي وجيراني وأصدقائي كانوا كلهم في عنكاوا تقريبا. ولم تتغير معالمها كثيرا.
في عام 2001 زرت عنكاوا مرة أخرى كان تغييرا بسيط قد طرأ عليها: بعض البيوت الجديدة ظهرت هنا وهناك وكثير من الأصدقاء والمعارف كانوا هاجروها، في الوقت نفسه قد حل محلهم كثير من الغرباء والأجانب.
في زيارتي الأخيرة هذه تغير كل شيء. وبدت لا أعرف عنكاوا من دون دليل. وغدت عنكاوا غير التي أعرف. أحياء جديدة ومؤسسات وشركات عالمية وغرباء كثيرون وشوارع وحدائق وتطور عمراني لا يصدق حتى فقدت عنكاوا خصوصيتها القومية والدينية والثقافية والاجتماعية. وهذا تطور هام لكنه مخيف!
تطورت عنكاوا فاصبح نحو ربع أهاليها من غير أهلها. توسعت عنكاوا فتناثرت فيها المؤسسات والشركات والمنظمات العالمية، فأصبحت تواجه بين شارع وآخر حراسا ونقاط تفتيش وشوارع مقطوعة وحواجز. اختفت حدائقها العامة القديمة أو تحولت إلى مراكز لمؤسسات ولم تظهر فيها من الحدائق ما يفي بأغراض أهلها.
كانت النساء يسرن في  الشوارع  والحدائق وحدهن من دون مشاكل يتنزهن ويتمشين واليوم لا تتجرأ الكثير من النساء السير وحدهن في شوارع عنكاوا  من مساء أي يوم من دون أن  تتعرض لمضايقة عدد من السيارات التي عادة يكون راكبوها سكارى.
أن تتطور عنكاوا أمر جيد ولا بد منه، أمر يشكر عليه كل من ساهم ويساهم فيه. لكن ينبغي أن يرافق هذا التطور الاحتفاظ بخصوصيتها العمرانية والقومية والدينية والثقافية والاجتماعية. فعنكاوا طيف متميز من أطياف إقليم كردستان العراق ، لا بل ومن أطياف  العراق الكبير. وضياع أي طيف من أطيافه هو ضياع لجزء منه، بحيث تبقى صورة العراق ناقصة وغير تامة أو مشوهة.

والعين تسمع والأذن ترى! [/b][/size][/font]