المفضوح والمستور في مسوَّدة الدستور
د. سمير خوراني
أقلُّ ما يقال عن مسوَّدة الدستور التي رأت النور بعد مخاضٍ عسيرٍ، وأخذ ورد، وشد وسحب، وتدخل من هنا وهناك، وتوافقات ومحاصصات ومساومات بين بعض الاطراف المسيطرة على الجمعية الوطنية. أقلُّ ما يقال عنها أنها مخيّبة للآمال، صحيح أنّ ما يتعلق بالحقوق العامة فيه الكثير من الايجابيات لكن الإطار العام الذي يغلَّف الدستور والمتمثل بالديباجة، كان محبطاً لآمالنا كشعب عريق أصيل ومدعاة للطعن من قبل شرائح واسعة من العراقيين ولاسيما شريحة المثقفين والليبراليين والعلمانيين والديانات الأخرى في العراق (المسيحية والايزيدية والصائبة).
فالديباجة، تفوح منها رائحة دينية طائفية، فهي تركز على أنّ وادي الرافدين موطن الانبياء ومثوى الأئمة الاطهار، والصحابة والأولياء.
ولاتشير لا من بعيد ولا من قريب الى حضارات العراق الوطنية الأصلية، السومرية والأكدية والاشورية والكلدانية التي أبهرت العالم، وكأن هناك خطة مقصودة لإقصاء هذه الحضارة عن عقول العراقيين وذاكرتهم، وكأن تاريخ العراق يبدأ بدخول الاسلام إليه.
هكذا تم تغيير عمر العراق من سبعة الآف سنة الى ألف واربعمئة سنة، ولا أدري كيف ارتضى ممثلونا (الكلدان والاشوريين) وغيرهم من الممثلين التقدميين "المنصفين" بهذه الديباجة المذهبية، (إذا لم يكن في الأمر مساومة فما هو تفسير ذلك؟)
وبدلاً من أن تقول الديباجة ان الدستور جاء استجابةً لنضال الشعب العراقي بكافة مكوناته، تقول: "استجابة لدعوة قياداتنا الدينية والوطنية واصرار مراجعنا العظام وزعمائنا ومصلحينا" وهكذا سُرِق الدستور من الشعب العراقي وأصبح ملكية خاصة بتلك المراجع والقيادات الدينية.
اذا تأملنا ملياً في هذه العبارات والجمل، لخرجنا باستنتاج قد يكون له تأثير خطير على مستقبل شعبنا العراقي الذي يطمح في المقام الأول الى الديمقراطية والعدالة والمساواة على اساس المواطنة. وليس اي شيء آخر، لكن هذه الديباجة، تدقُّ أسافين قوية بين مكونات الشعب العراقي (دينياً وإثنياً ومذهبياً).
ألامر الآخر المثير للاستغراب تلك العبارة التي تقول ((مستلهمين فجائع شهداء العراق شيعةً وسنةً، عرباً وكورداً وتركمانا، ومعهم بقية اخوانهم من المكونات جمعيها)) فبدلاً من أن يخاطبوننا باسمائنا الحقيقية (الكلدانية والاشورية) صاروا يخاطبوننا بكلمة (بقية). انهم يستنكفون من ذكر اسمائنا نحن بناة حضارة هذا الوطن.
وها هي الشهادة ايضاً سُرقت منّا ومن شهدائنا، فكلهم قدّموا شهداء إِلاّ نحن، ياعجباً كل العجب، هل نسوا مجازر العثمانيين بحقنا ومجزرة سميل وصوريا، ومجازر النظام السابق من تهجير وترحيل وتعريب وهدم للقرى، وماذا تفعل هذه الملايين في بلدان المهجر؟ لماذا هجرت؟!
المثير للدهشة: ان الديباجة تقول بعد ذلك "لنصنع عراقنا دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية، ولا عقدة مناطقية، ولاتمييز ولا اقصاء" أَبَعْدَ كل هذا ليس ثمة نعرة ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولا تمييز ولا اقصاء؟!
أَبَعْدَ كل هذه النضالات والمآسي والكوارث والحروب المدمرة، التي مرّ بها شعبنا العراقي، وبعد كل هذه السنين يخرج علينا مشرّعونا بدستور غطاؤه ديني. وبلعوا الديمقراطية التي وعدونا بها؟!
نأمل من ابناء شعبنا الواعين أن يقاطعوا هذا الدستور الذي كشف عن وجهه القبيح، اللاديمقراطي في ديباجته الشاحبة. إنَّه دستور (المنتصرين) وليس دستورنا.
اذا كان المفضوح والمكشوف هكذا، فما خفي كان أعظم. [/b] [/size] [/font]