الرسالة 15 من تحت الأنقاض


المحرر موضوع: الرسالة 15 من تحت الأنقاض  (زيارة 660 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Abdullah Hirmiz JAJO

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 604
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الرسالة 15 من تحت الأنقاض
« في: 21:32 11/10/2007 »
الرسالة 15 من تحت الأنقاض
أكتب لك يا صديقي العزيز: من بيتنا الذي كان يحلو لنا تسميته هكذا، الذي هو العراق بلد الحضارات ومهد أول الأنبياء، أرض سومر وأكد، أرض نينوى وبابل، أرض كربلاء والنجف، هذه البقعة من الأرض التي تعتبر مقدسة بكل المقاييس، وقد نكون بنظر الآخرين محظوظين لأننا وُلدنا وترعرعنا عليها، وأينما نلتفت نجد أثرا من زمن ماضٍ كان يشغل الدنيا يوما ولكن ليس كما يشغله اليوم بالشر والقتل والدمار، إنما بالفن والحضارة والكتابة والمعمار والترجمة والتأليف. فقد كان في بغداد يوما دارا للحكمة، هذه المدينة التي أصبحت عاصمة الدنيا زمن الخلافة العباسية، واليوم يا عزيزي أصبحت أيضا عاصمة للدنيا لكن بشكل مغاير...
نعم أيها العزيز، فببساطة أقول لك أنها عاصمة للدنيا حاليا لأن لو فتحت أية قناة أخبارية في العالم سوف لن تخلو نشرة أخبارها عن خبر أو تقرير يخص هذه المدينة، لكن يا ترى هل هذه الأخبار هي عن أخبارها في الاعمار والبناء، أم في الاقتصاد والتجارة، أم أنها في منجزاتها العلمية أو مخترعات جامعاتها ومراكز الأبحاث ...؟ لا يا عزيزي فالأمر ليس كذلك بل أخبارٍ عن حروب وهجماتٍ وقتلٍ هنا وتدميرٍ هناك، جثث متناثرة وأخرى مجهولة، وكذلك عن سياسيون يتصارعون بدم ضحاياهم من أجل تحقيق أكبر المكاسب الدنيوية، وديدنهم غايتهم تبرر الوسيلة ...
مدينتي أيها العزيز كان فيها من المعالم ما لم تستطع رؤيته بأيام قلائل، فهذا شارع أبو النواس الذي كان عالما خاصا بذاته وخاصة لياليه الملاح وسمكه المشوي الذي كان يحلو لأهلنا تسميته (السمك المسكوف) وحدائقه التي كانت تغفو على خرير مياه دجلة الخالد، وكان الأحبة ينتهزون فرصة لكي يناجون أحبتهم على ضوء القمر وصوت المياه وزقزقة العصافير، فالحياة كانت تنساب فيه بصورة قل نظيرها ... وكم من شاعر نظم أحلى القصائد وهو جالس في حدائقه الجميلة، حتى الشاعر الخالد أبو النواس أو أبي نؤاس يحسد هؤلاء لأنهم حظوا بهذا الجو الشاعري كي يستلهموا أحلى الكلمات وينظموا أحلى القصائد بينما هو لم يكن يرى سوى الصحاري والسيوف والجواري ... فزمانه كان هكذا، لكن شارعنا كان مليئا بالزهور والأرائك الجميلة والمناظر الخلابة إضافة إلى الطبيعة البغدادية التي زادته جمالا وزادت من عدد قاصديه كل يوم.
هذا الشارع اليوم يا عزيزي أصبح شارعا مفزعا .. مقفرا .. مقطع الأوصال .. يخلوا من مرتاديه، فقد هجره العشاق، وهجره الشعراء والفنانين، وهجرته حتى أسماكه التي بحثت عن أرصفة الشوارع في أماكن أخرى لكي تعرض نفسها للزبائن وتصبح أكلا لذيذا لمن يطلبها، هذا الشارع أصبح الشاعر أبي نؤاس بريئا منه، فلو كتب لهذا الشاعر أن يُبعث حيا اليوم لطلب مسح اسمه منه، لأنه لا يمت للشعر بصلة ولا للمجون الذي كان عليه الشاعر بأي شبه ممكن، فقد ضاق المكان ولم يعد يتسع لكافة الفعاليات التي كانت تجري عليه، توقف الشعر، توقفت آهات العشاق، خيوط القمر الفضية أصبحت باهتة لا يتلذذ في الاستمتاع بها أي أحد، والخوف يتربص بكل من جعله زمانه مضطرا للمرور من خلاله، هكذا أصبح حال شارعنا المميز في الزمن الغير مميز.
إنني أذرف الدموع عليكم أنتم أيها الشعراء، وأنت كذلك يا عزيزي لأن الصور التي تلهمكم الشعر بدأت تتلاشى، فما الذي ستكتبونه لكي يثير شجون أو يدغدغ المشاعر لدى من يقرأ أو يسمع، فقد ساد الهرج بدلا عن الموسيقى الحالمة .. الهادئة التي تحتاجونها في كتاباتكم، وحتى الأغاني الرياضية التي كنا نستمتع بسماعها يوما عندما كانت المطربة تطربنا بقولها: يلعب أبو جاسم هو لواعيبه ...، أو ألعب يا حبيبي تفنن ... واليوم بدأنا نسمع المطرب وهو يحدّث اللاعب بصيغة الأمر قائلا: جيب الكاس جيبه ... وكأن الدنيا تؤخذ غلابا .. ليس هذا إلا بسبب ما نحن عليه لأننا نحيا زمنا من الغضب ... من الظلم ... من تسلط قوى الشر وفرضها قانون الظلام وقانون الغابة الذي يأكل فيه القوي، الضعيف، والحيتان الكبيرة تأكل الأسماك الوديعة التي تسبح في بحر لا قرار له.
صديقي الوفي: ليس الشعراء وحدهم من يعاني لأن من ينشد أول السلم العلمي، الطلبة، يعانون أشدّ المعاناة وهم يصعدون باتجاه تحقيق أحلامهم الطفولية الجميلة بغدٍ أجمل مما هم عليه، هؤلاء يذهبون لدور العلم بصعوبة بالغة وطريقهم محفوف بالمخاطر حتى أن أحد المربين سمعته يقول: أنني أقبل أيادي الطلبة وأقدر معاناتهم بمجرد وصولهم لدور الدراسة!!! حيث مخالب الشرير متواجدة في كل زاوية وشارع، وحتى المدارس التي يدرسون فيها أصبحت هدفا لمن يشتهي مصّ الدماء وتلذذه برؤية الأشلاء ... الروح السادية التي لا تهنأ إلا عندما ترى الضحايا وهي تتألم، فكم مدرسة تناثرت بين أنقاضها القراطيس والأقلام والأحذية الجميلة عندما يتركها الأطفال من الفزع والهلع ويلوذون بأنفسهم بعيدا وبسرعة للوصول إلى أولياء أمورهم، فما الهدف عند الأشرار من استهداف الطفولة التي ما هي إلا البراءة بعينها، ونبي النصارى قال: دعو الأطفال يأتون إليَّ... لأن في مثل هؤلاء تتواجد المعاني الحقيقية للإنسانية حيث لا حقد ولا كراهية ولا عُقدٍ تمنع في مدّ الجسور نحو الآخر الذي هو ديدن الإنسانية الصميمة التي تعرف معنى التواصل الإنساني.
وليس كل هؤلاء هم الأهداف بل أقرانهم في المراحل الدراسية المتقدمة أيضا فحتى في الامتحانات العامة التي يمارس فيها أسلوب الامتحانات الموحدة بالأسئلة في كافة أرجاء العراق وعلى ضوئها يتحدد مصير ومستقبل الآلاف من الطلبة باختيارهم للكليات التي يدرسون فيها على ضوء العلامات التي حصلوا عليها، وغالبا ما كان الأهل وربما لازالوا يختارون مستقبل أولادهم بالدخول إلى الكليات الطبية أو الهندسية؛ المجموعتين الأكثر شهرة في العراق والتي يحاول الطلبة الوصول إلى أحداها لضمان مستقبلهم، وأعتقد أننا تباحثنا يوما بهذا وتوصلنا إلى أن هذا الاسلوب خاطيء؛ فكم من موهبة تم خنقها سواء كانت في الموسيقى أو الرسم أو الفن لأن الوالدين لا يفتخرون بكون ابنهم أخذ شهادة في هذا المجال، بينما يميل الآباء ليكون أولادهم من الأطباء أو المهندسين ويصبحون رفعة رأس، هؤلاء أيضا دخل الأشرار إلى قاعات امتحانتهم وأجبروا الهيئات المشرفة على أداء الامتحانات كي تعطي غشا للطلبة لأن الامتحان يجري في المواقع التي لديهم فيها سطوة، مما أخرج دفاتر امتحانية متطابقة في جميع الأمور وأجبر الجهات المسؤولة بالغاء نتائج تلك المدارس!!!
لكن هل هذا كان الحل؟ فربما طلبة في تلك المدارس من المثابرين والمجدين ألغيت نتائجهم بجريرة غيرهم!!! ذهب الأخضر مع اليابس، تساوى الشاطر مع الكسلان... فذلك من الأمور التي تحطم الأسس والضوابط التي تفرز المواهب والامكانيات العلمية عند الطلبة لكي كل يذهب حسب مستواه وعند جلوسهم على مقاعد الكليات يكونون بخط شروع واحد يسعون لتسلق سلم العلم إلى الأعلى بكفاءة متقاربة ويكونون لبنة صلبة في بناء مستقبل البلد.
لكن كما يقول المثل: لو خليت قلبت، فالأمل مستمر وموجود والعراق سيبقى يناضل لكي لا تسيطر عليه قوانين غريبة ويبقى يبحث عن الأمل مع كل الغبار التي تحدثه هذه الكتل من الأنقاض عند تهاويها ورغم كل معاول الشر وخطط الأشرار، ويا عزيزي عندما أتكلم لك عن الشر والأشرار فليس كل من يسبب الأذى شريرا إنما فيهم من يحاول طرد الغازي والمحتل وقد يلحق الأذى بأخوانه وفيهم من يعمل بسياسة رعناء وعلى أسلوب الغاية تبرر الوسيلة وهذا أيضا يلحق الأذى بالعراق، وهنا أيضا الأجنبي الذي لا يبحث سوى عن مصلحته ولا يهمه أن يذهب الجميع كضحابا تحت عجلاته العسكرية المسَّرفة ، لكن الله لا ينسى عبادة وإن غدا لناظره قريب. ودمت لأخيك.


عبدالله النوفلي
25 آب 2007