كلمات من القلب والأعماق
في يوم تكريم ميخائيل ممو ..
بقلم : كوريل شمعون
العـــراق – بغــــداد
ماذا يستطيع المرء أن يقول بشأن انسان مثل الأديب الآشوري الكبير الاستاذ ميخائيل مروكل ممو..؟! وماذ يستطيع أن يكتب؟!
بصراحة ان اللسان لا يمكنه أن يفي بحق هذا الكاتب الفذ، مهما بلغت قدرته اللغوية ومهما كانت براعته في النطق والقول والخطابة والحديث! والقلم نفسه يقف عاجزاً عن التعبير فقد تصعب عليه المفردات أو قد تتمرد عليه المعاني فتعصف بعباراته في وادٍ فجٍ عميق ليتزعزع متأرجحاً.. حائراً أمام بلاغة عملاقٍ أجاد وأبدع في كتاباته عبر كل الميادين الفكرية والأدبية واللغوية التي خاض غمارها بجرأةٍ وثقةٍ وقدرةٍ متميزة.. ونزاهةٍ قل نظيرها.. ميخائيل ممو الذي جعل من الحرف المحال ممكناً ومن الحرف الممكن سهلاً ويسيراً بأفكاره الخلاقة وبجهوده المخلصة الصادقة وبابداعات يراعه المتألق الذي شد اليه الناس اعجاباً ومحبةً وتقديراً في كل مكانٍ حل وأينما ارتحل.
لقد ملأ حقول ثقافتنا القومية بوهج مداده المتدفق، بالأمل والفرح والنور والجمال والخير في زمنٍ صعب يلفه الظلام وتتنامى فيه الجراح والآلآم فغدت تلك الحقول العطشى أفياءاً يستريح في ظلالها المتعبون والمعذبون في رحلة حياتنا الفكرية والانسانية وأضحت تحيي في نفوس اليائسين روحية الطموح والتطلع، وتملأ دروب العاشقين بألف زهرة حبٍ متفتحةٍ.. نقية.. لا تعرف الظمأ مثلما لا تعرف الذبول.
فقبل أن يشد الرحال الى بلاد الغربة.. كان لميخائيل ممو عالمه الخاص الحالم، فغالباً ما كنتُ أتحسسه منغمساً في التفكير.. كانت تعذبه همومنا القومية والثقافية والفكرية المتواصلة.. كان دائم التذمر من الصعوبات التي كان يعانيها شخصياً في سعيه اليومي المثابر وخاصة في مجلة المثقف الآثوري مثلما كان يعانيها مثقفونا في تلك الأيام القاسية، الى جانب كل ذلك كان على انشغالٍ مستمرٍ بالبحث والمتابعة المسهبة لكل الأعمال والنشاطات الثقافية والأدبية التي تجري على الساحة العراقية. كان بالغ الشغف للمشاركة فيها فكنت تراه حاضراً في معظم المحاضرات والندوات والمهرجانات الشعرية والفنية والفكرية التي كانت تقام وخاصة في النادي الثقافي الآثوري. وكانت لغتنا الأم تشده في أغلب الأوقات فتراه يتابع حروفها ومفرداتها ومعانيها.. يحفظها ويختزنها في صدره ثم يبحث عن كل ما يستجد في مضمارها ليرتشف من ينابيعها الحانية كل ما هو نافع ونبيل ليضعه في متناول الجميع على طبق من نور وبكل اعتزاز وتبجيل، فقد كان سخياً في العطاء ووفياً في نشاطه الابداعي الفكري الى درجة كبيرة.
لم تستطع سنوات الغربة الطويلة أن تصدأ ألق قلمه الوهاج ولا أن تهز مفرداته الرائعة التي ظل غارقاً في أوسع بحارها وأكثرها عمقاً وسحراً وفتنةً وزهواً.
افتقدته كثيراً بعد أن غادر الوطن ولم يبق من اتصالٍ بيننا سوى بعض الرسائل البريدية وشئ من المكالمات الهاتفية "المتقطعة" بين سنين واخرى، ولكني شخصياً كنت اتابع نشاطاته وأخباره بكل ما استطعت الى ذلك سبيلاً رغم كل المعوقات، ورغم انشغالي المرهق المتواصل بظروف حياتي الصعبة داخل الوطن.. كان ميخائيل ممو في فكري دائماً.. بل كان في قلبي دائماً.. فكل الشوارع والأزقة التي شمخت على أديمها صداقتنا النادرة وكل الدروب التي تخطيناها مشياً على الأقدام في كمب الكيلاني، في الدورة وفي النادي الثقافي الآثوري والأندية الاخرى والاذاعة والتلفزيون كانت تشدني اليه في كل لحظة وتجرفني الى دنىً من أروع الذكريات. إذ بقيت كل تلك الأماكن والطرقات تحمل على جدرانها وأرصفتها العتيقة ألف وألف قصةٍ عشناها معاً.. بمرها وحلوها.. فقد كنا نقضي معاً معظم الأوقات في الليل والنهار بل كنا نشكل ثنائياً يعرفه العالمون في أوساطنا الثقافية والفنية والاجتماعية في العراق.
وانطلق ميخائيل ممو في دنياه الجديدة.. البعيدة ليتنفس شيئاً من نسيم الحرية، ولينعش قلمه الذي أرهقته سنوات الحرمان والكبت القومي والفكري والثقافي داخل الوطن، وليواصل الكتابة بكل وفاء. فكانت كل كلمةٍ يكتبها في المهجر لبنةً جديدة في صرح الثقافة الآشورية التي قدم لها ميخائيل ممو الكثير الكثير، وبجهدٍ ابداعيٍ فائق التميز. إذ أينعت كلماته الخيرة ضياءاً ذهبياً بهياً ازدهت به "صدور" صفحات اللغة والأدب والشعر في مطبوعاتنا القومية من صحفٍ ومجلاتٍ وكتب وازدانت به أيضاً مواقعنا الالكترونية عبر العالم. فاستحق الثناء والتقدير واستحق التكريم بكل جدارة في عرس يوبيله الفضي البهيج.. المتلألأ.
فسلاماً أيها الصديق العزيز.. لقد كتب علينا أن نحفر الصخر بأصابعنا كي نبني جسور المحبة فوق ركامات الحقد والتخلف والأنانية والقبلية المقيتة. لقد كتب علينا أن ننسج بدم القلب زهوراً من الأمل والمودة والفرح لأبناء هذه الأمة الطيبة وقد كتب علينا ايضاً أن نعاني ونتعذب فها نحن نذرف دموع الألم لأطفالٍ تشردوا.. لأجسادٍ احترقت بفتيل الارهاب.. ولشبابٍ تمزقت أشلائهم برصاص الغدر.. لرؤوسٍ قطعت بسيف الكراهية.. لفتياتٍ في عمر الورد تفحمت وجوههن النضرة ولنساءٍ يولولن ليل نهار بعيونٍ لا ينقطع عنها الدمع، وبأصوات اختنقت في صدورها الى حد الصمت فباتت خرساء من هول الكارثة. فأي معاناة رهيبة وقاسية، بل قاتلة هذه عندما يكون البكاء هو السلاح الوحيد في مواجهتها؟! أجل.. لقد صرنا ننتحب حزناً في كل الاتجاهات وها نحن نذرف الدمع لكنائس سكتت نواقيسها عن الرنين وتفجرت محاريبها وتناثرت رماداً فوق جدرانها المتهدمة.. نعم يا صديقي.. من وسط برك الدماء والدموع والنار والدمار ، أكتب اليك لأحييك بحرارة ولأهنئك من القلب والاعماق بمناسبة تكريمك الذي هو تكريم لكل الاقلام الآشورية الوفية وانك حقاً لتسنحق أكثر وأكثر، وكن على يقين يا عزيزي بأن الدموع قد انهالت من عيوني بل من قلبي فرحاً بتكريمك، رغم اني أكتب هذه السطور من بين زحام الموت والمآسي والأحزان. وعذراً أيها العزيز ان قصرت كلماتي فالكتابة عنك لا تستوعبها الآلآف من الصفحات، ناهيك عن ما تتطلبه من راحةٍ وصفاءٍ وهدوء البال. وتحيةً أخويةً خالصة لكل من ساهم في الاحتفاء بك في يوم التكريم وألف مبارك لك، ودمت في رعاية الرب الجليل.