عبدالمنعم الاعسم
أغاليط على الهواء
/ يخيّل اليّ ان هذا العنوان استخدمه كاتب عربي قبل سنوات..لكنه تحدث-كما اتذكر- عن الاسفاف وانعدام الاهلية الاذاعية والخِفّة والرطانة في الاغنيات الشبابية على قاعدة(الجمهور عايز كده) الامر الذي لا يعنيني، وربما لا اعتبر ذلك بمثابة أغاليط قدر ما هو تعدٍ على ثورة الاتصالات والتكنولوجيا والبث حول الاقمار الصناعية وغزو الفضاء، فانا اخصّ الاغاليط بطائفة اخرى من التعديات الصارخة على العقل وابجديات السياسة وهيبة المعلومة وكرامة اللغة، ومفردات اخرى لزوم ثقافة الحوار وقواعده.
/وابتداء، فان الحديث يتناول الفضائيات العربية، من دون استثناء، وقد يتركز على تلك الاقنية الاكثر عمرا، والاكثر رسوخا، والاكثر خبرة، والاكثر مباهاةٍ بالتزام المهنية والحيادية والموضوعية ، الى ذلك من المعاني التي جردت من مضامينها، في حمية التحزب لجهة التمويل واقتصاد السوق، وتحولت الى خرقة مسح بايدي عتاوي هذه المرافق الخطيرة التي تتولى-الى جانب عناصر اخرى- تشكيل الراي العام.
/الاغاليط الاولى، تتصل بالتجاوز المبرمج على الحقيقة، فالعراقيون، حسب فضائية عريقة، يخططون لنقل معركتهم الى الدول المجاورة، فيما الحقيقة الساطعة تتمثل في ان الدول المجاورة تستخدم الاراضي العراقية ميدانا لمعاركها مع القوى الاجنبية، بل وتستخدم العراقيين كدروع بشرية لحماية تيجانها، وتشاء هذه الفضيحة ان تتناسل عن فضائح اخرى حين تمعن هذه القناة ومثيلاتها بخلط الاوراق فيصبح الجلاد محللا سياسيا، ونصف الكاتب مفكرا، والاعمى شاهد عيان، وحين تجري استفتاء لمشاهديها، وغالبيتهم من اتباع القناة، لتعلن النتائج باسم الرأي العام.
/ الاغاليط الثانية يمكن رصدها في حشد من الجهلة وروّاد مقاهي العاطلين عن العمل على طاولة حوار تلفزيونية، فلا تسمع إلا اغاليط، ولا ترى إلا مغالطين، وتتسع الفضيحة لمناكدات يختلط فيها الحابل بالنابل، ويضيع فيها الصحيح بالخطأ، وتضج الاصوات وترتفع الايادي، فلا الارقام سليمة، ولا المدن محددة، ولا الوقائع لها صحة، ولا الحوادث لها شأن، ولا الكلام له اصول، ولا اللغة لها احترام، والفضيحة الكبرى هو انه لا أحد، حتى المحاور، يصحح الاغاليط التي تجري جريان السمك بالماء، وقد بلغ باحد الجهلة ان يتحدث في الفلسفة والتاريخ والفيزياء بلغة ريفية مضعضعة، فكان يقول ان الوقت والزمن هو نفسه في كل مكان، يريد ان يؤكد (ثبات المقاييس) وبان قيم العشيرة في الاهوار والفرات واقاصي الموصل يمكن تطبيقها على ابناء تلك العشيرة الذين يعيشون في كندا، مثلا، من دون ان يعرف، ولا أحد يصوّب له، بان دروس الفلسفة في المدارس المتوسطة تشير الى ان اينشتاين وضع النظرية النسبية التي كنست فرضيات نيوتن عن ثبات المقاييس منذ زمن طويل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إن مشكلة كل شعب في جوهرها مشكلة حضارته"
مالك بن نبي
مفكر جزائري
aalassam@hotmail.com