يونان هومة ورياح الشمال ....بقعة ضوء
م . أبدل أبدلترقب الخابور هذا العام بمزيد من الشوق و اللهفة لقاء ابن بار من أبنائه اللذين استقرت بهم رياح الإعصار بعيداً خلف شواطئ الحرمان ...
ترقبت عيوننا و قلوبنا لقاء يونان هومة ...ذلك الذي عرّفته كتاباته شاعراً ثائراً ينبض شـــــــعره بإيقاع الألم الحاضر الحي أبداً ..
يونان هومة الذي تناولنا أشعاره بمزيد من النهم الفكري علنا نشبع جوعنا لنبل كلماته الـتــــــي لم تتكفل مشقة احتلال ما يليق بها من مساحات الفؤاد المتعطش للقاء .
قرأت رياح الشمال .... ربما قرأتني كلماتها من دون أن أدري ...
تصفحت أوراقها... تسكــــعت فوق أرصفتها , و نمت على وساداتها المحشوة بريش الأمل المجنح ...
نقلتني رياحها اللطيفة تارة و الثائرة تارة أخرى ورمت بأشلائي المتناثرة فوق الحد الفاصل بين الوهم و الـــحقيقة .... لكني أدركت ملامح الحقيقة أخيراً ووجدت نفسي مصمماً على إلقاء بعض النور على ما قرأته أفكاري , علنـــــي أقدم بعضاً من شكري و امتناني لقلمه الذي ما زال هناك نازفاً على أرصفة الذكــــــرى و دروب الأمل المستحيل .
تنفرد مجموعته الشعرية (رياح الشمال) بكونها قصيدة واحدة على امتداد سيرة الجرح الذي ظــل حياً في ذاكرة الشاعر .
و يظهر تأثر يونان هومة ببدر شاكر السياب واضحاً و جلياً وهو ما أشار إليه الأستاذ هرمز داود في تقديمه لرياح الشمال و يتجلى هذا التأثر بشكل واضح في تكرار كلمة المطر التي ترمز إلـــى الثورة في أشعار السياب و رياح الشمال بجملتها دعوة للثورة ولتغيير الوضع الآشوري الذي ظل يعاني من التشرذم و الضياع و الانقسام حول الذات , كما أنها تكتب على جدران الــــــــذات الجريحة المعاني الحقيقية للافتقاد ... افتقاد الأرض و البيت و الوطن وملاعب الطفولة و ذكــرى الجد و أحاديث الجدة و الأصدقاء , كما أنها ترسم المعاني النفسية للحضور ... حضور الألـــــــم الدائم المقيم في نخاع الأفكار التائهة فتتحول أبياته إلى أداة يستخدمها الشاعر للحفر المواظب في الذاكرة لاستخراج مخزونها الغني للعلن .
رياح الشمال ... شعر سياسي ثوري ممزوج برومانسية مفرطة طال عذابها .
الأفعال المضارعة في القصيدة ( تقتل , تغتصب , يأكل , يصلي .... إلخ ) و غيرها الكثير تشير إلى إن الحدث ما زال حاراً و أن الجرح ما زال حياً , أما الأفعال الماضية فإنها تتعلق بأزمــــنة التشتت و الضياع و انعدام وعي الذات الآشورية .
أما الزمن في القصيدة فإنه ليس زمناُ واضحاً يتجه من الماضي نحو الحاضر فالمستقبل .. إنــــه زمن تندس فيه صور الماضي بحقائق الحاضر التي تبقى على صلة بما ذهب في الماضي مــــن تاريخ و أساطير و ذكريات من حياة الشاعر و من سيرة شعبه الذي ظل وفياً له .
كما أن أسماء الفاعل( الطالع , شامخة , عاشق, فاصلة , قاسية .... إلخ ) تزيد عن أسمــــــــــاء المفعول به ( معمورة , مشنوقة , مملوءة , مصحوبة .... ) حيث تشير أسماء الفاعل إلى الفاعلية بدلاً من الخمول و تلقى الفعل على عكس أسماء المفعول به التي تدل على الانكسار.
أما أسماء المكان ( المنفى , السفارات , الأرصفة .... إلخ ) فهي أسماء مكان غير ثابتة و هـــــي عناصر مضطربة غير ثابتة تشير إلى الموقع الجغرافي للشاعر على خارطة الواقع في الغربة .
تتدفق الذاكرة في رياح الشمال و تنهمر صورها من الماضي للحاضر كالشلال الهادر فتتــحدث بلسان العاشق المعذب عن الماضي و الطفولة و الموتى و العشب الريفي الأخضر و الغــــيوم و المطر ( ذاكرة الطفولة , ذاكرة الموتى , ذاكرة الغيم , ذاكرة العشب , ذاكــرة الجنين ) ثم يجعل من الذاكرة كائناً حياً يتعرض بفعل عوامل الحت النفسي و التعرية الوجـدانية إلى التشوه و الانقراض ( تشوه الذاكرة , انقراض الذاكرة , أفقد ذاكرتي ) .
و تحتل الطفولة مساحات شاسعة من وجدان صفحات رياح الشمال و هي تعبر بشكل واضح عن نقاء سريرة الشاعر و صفاء ذاته و براءة وجدانه ,فنراه يستمع إلى تراتيلها العذبة و يراقـــــــب تنفســـــــــها بخوف , و يستمع إلى صرختها في المهد , و يرى في عيونها الأمـــــل الذي سيغير الواقع الألــــــــــيم.
و يعبر الشاعر عن عشقه الأبدي للحرية بإقحام العصافير و الطيور في فضاءات قصيدته و هو إذ يتحدث عنها إنما يتحدث عن بني قومه من الشعراء و فرسان الكلمة المشنوقة و الأدباء التي ضاقت بهم الدنيا فهاموا على وجودهم بحثاً عن واحات خضراء تروي ظمأ روحهم المتعطشة للحرية بعيداً عن ( الأرض الجرداء و العراء ) فيسترق السمع تارة ل(دردشة العصافيرالبريئة ) ويواسي كل ( طائر حزين ) ويحزن لحال العصافير التي ( أوشكت أن تطير ) ثم يراقب مدهوشاً مقطوع النفس (العصافير المشنوقة ) ثم يودع على مرافئ الألم الحاضر يائساً كل( العصــــــافير المهاجرة ) التي ضاقت ذرعاً بمضايقات( الطيور الجارحة و نعيق الغربان و عواء الذئاب ) التي تنذر بالشــؤم .
كما يبدو ارتباط الشاعر وثيقاً بتاريخه العريق الذي يواسي أحلامه في ليالي الهزيمة و الانكســار فنراه يستحضر أرواح (أتونابشتم و تموز) و يطير معهم فوق بساط سحري من الكلمات فــــــوق أسوار ( الحدائق المعلقة ) فيعصر من ثمارها كاساً من النشوة و الاعتزاز بماض مجيد كـــــان .
يحلم الشاعر في رياح الشمال بالعدالة التي يشير إليها تارة بالفــــــــجر(لن نقدر أن نقرع بــــاب الفجر,الحلم الصغير يتدثر بأغنية الفجر ) , كما يلعن الظلم كثيراً و الذي يطيب له أن يصفــــــــه بالليل (ثورة الشك لن تشق الليل , يجن الليل خشية على عذريته القميئة , سكين الليل يقتل الغزالة اليتيمة ) ويتحدث برمزية نبيلة عن شعوره بالاختناق بعد موت العدالة و تسجيل القضية ضـــــــد مجهول فنسمع فؤاده يتساءل ( لماذا لا تقطر الشمس علينا من ثقب إبرة ) معبّراً عن طــــــــــول انتظاره لبعض من أشعة شمس العدالة علها تشعره بإنسانيته المفقودة بعد أن أُتخِمت قلوبنا حزنــاً ونحن ( نأكل الخنوع من الألف إلى الياء ) كما يقول الشاعر في الصفحة الثامنة من مجموعتــــه الشعرية.
هذه بعض النقاط التي أردت تسليط بعض الضوء عليها, و بعض المحطات التي طاب لي أن أقف عندها لما أثارته في نفسي من مشاعر وجدت صعوبة في البوح بها , و أتمنى من شاعرنا الكبير بشموخه و الكريم بعطاءه أن يغفر هفواتي و أخطائي فيما تناولته فهيهات يدرك المعنى الذي يولد و يعيش ثم يموت في قلب الشاعر, و قد تهت بحق و أنا أقرأ كلماته حرفاً حرفاً ثم أجتر أحزانه التي أسكرتني فانتشيت بخمرها المعتق الأصيل .
كما أتمنى من أدبائنا و كل المهتمين بالنقد الأدبي و خاصة من ذوي الاختصاص أن يتناولوا أعمال يونان هومة بمزيد من الجدية و الاهتمام ليفكوا هيروغليفية رموزها الجميلة و لينقبوا في مناجم لغته الشعرية الرائعة ليكتشفوا دررها الدفينة , كما أتمنى من المؤسسات الثقافية الآشورية أن توليه من الاحترام و التقدير ما يستحقه قلمه فعلاً و كفانا تكريماً لأدبائنا بعد رحيلهم كما يطيب لنا فعله دوما .