أحزان ليلية في رطوبة المحطات
حسين ابو سعود
الديكور عادي جدا ، شارع عريض، متاجر مختلفة تغص بالعربي و الأعجمي، وطفل صغير جميل يمسك بنطاله بيد ، واليد الصغيرة الأخرى امتلأت بطرف ثوب امرأة ما، ولكن هل هي حقا امرأة ما ؟
خطواته تتسارع ، يتعثر ، يطلق صرخة كسولة ، تتجاهل المرأة المارة ، تنحني فتوقف ابنها على رجليه وتنفض التراب عن وجهه وصدره وفخذيه ، وتفتح حقيبتها بعنف فتخرج منها منديلا لتمسح به انف الطفل المدلل ، ويسقط منها جواز سفر وقبل ان تعود الى السير ويعود الطفل الى سيرته الأولى ، تضم جواز السفر الى صدرها وتمسحه وتكاد ان تقبله قبل ان تودعه ظلام الحقيبة بين قارورة العطر واحمر الشفاه والعملات والكثير من العناوين.
• * * * *
كنت أقف على كومة من الأحزان ، وأنا ارمق هذا المنظر المألوف ، والثواني بدأت تتلوى ملونة مثل الثعابين ، استطالت فصارت ساعات مملة.
إيه مساء الزوابع والمطر الأسود
آه من نفسي ومن ذاك الموعد
والانتظار في ليل العذارى السنة نار
والخبز اليابس في ملاجئ الأطفال، أغلى أمنية.
• * * * *
وتهب الريح ، حمراء عاتية،اختارتني تلك الريح من بين ذلك البحر البشري لتخطفني الى أقبية فسيحة لا سقوف لها ومحطات مهجورة إلا من العناكب ونعيق الغربان .
- محطة..
أنا الآن في قرية وادعة عجوز ، الفلاحون يهرعون الى الأكواخ مع نسمات العصر الطرية ويتركون الحقول للأشباح والمنفيين ، إنهم يعملون طول النهار وعرضه ولكنهم يبيتون في أحضان الفلاحات والأطفال جوعى ، والحقول تضيق كل يوم والنهر الآتي من الأعالي يهدد بالجفاف ..
الولادات والأعراس والوفيات عندهم مثل حك الرأس وقتل القمل، والليل في تلك القرية كان قصيرا مثل شاب هرم قزم.
وقبل الشروق تركت عند المداخل آلام ظهري والتهابات مفاصلي وحفظت ماء الوجه فطردت نفسي الى حضن الريح من جديد ....
- محطة أخرى.
الناس هنا يأكلون وينامون ويرتعشون على بعضهم البعض والعمارات عندهم تناطح السحاب والضباب وتضيق على الطيور رحابة الجو .
المال ثم المال وجداول الإنفاق .
الليل هنا أضواء وأصداء وأشلاء وأغنيات مزيفة
والنهار مداخن ومطاحن ولهاث وبيئة ملوثة .
جبت كل الأزقة والشوارع ، سألت كل الناس ،
لاجواب ، صمت صاخب ، صخب صامت ، كل الفنادق محجوزة .
وقبل ان ارحل ،
ألصقت على الجدران بعض النصائح ، بعرقي المتصبب وبعض اللعاب الذي جف.
وقبل ان ارحل ،
امتزج عطر الشواء ببعض روائحي ..
- محطة ثالثة...
المدن ذات البوابات، والصناديق المثقلات بالأسرار والحكايات والمصابيح تداعب العطور في الجذور وقطرات الندى تلاعب صفحات الزهور .
- أنا ... أين أنا؟
الصدى:
-أنت في ضاحية ..
- أين الناس وما سر هذه الألوان الزاهية ؟
- ......
-كيف شكل الأطفال عندكم ؟ وهل تحب نساؤكم ويحرقهن الشوق الى رسالة؟
-........
- هل فيكم معذب ؟ أين تدفنون موتاكم ؟ أين مقابركم ؟
- ضحكات .. ريح .. هدوء .. ريح .. فزع .. ريح .
وتركت عندهم تمنياتي ورجع الصدى وبقايا أغنياتي .
أردت ان اقرأ لهم بضع صفحات من التاريخ واسمع منهم بعض الحكايات .
أردت ان أريهم الشقوق في باطن قدمي المتعبتين ، ولكن هيهات فهم صم بكم عمي لا يفقهون ...
• * * *
يا أيتها الأبواب المغلقة انفتحي .
ويا سماء اهطلي مطرا باردا .
وادفني سحب الدخان ولتغوص ركبتاي في الوحل ..
آه من الانتظار / النار / الجحيم ،
في هذا الطابور الطويل حيث اللهاث والعرق والتدافع والروائح الكريهة .
سوف يأتي دوري ، ويسألني موظف التأشيرات من خلال الفتحة الصغيرة عن جواز سفري ووجهتي .
سوف اسكت لأسمع الموظف الذي تضايق من برودة مكيف الهواء
- من الذي يليه ..
الديكور ما زال عاديا والشارع ليس إلا امتداد لقفار أخرى والمتاجر تفصدت بالسلاسل والحديد .
لا طفل ولا نساء جميلات .
لا شئ في الليل / الدنيا
سوى كلاب سائبة و حارس ليلي نائم ......
aabbcde@msn.com