في أغلب الأحوال يتوقع الناس أن تحدثهم اللوحة بلغة اخرى غير بصرية,ويفضل أن تكون لغة الألفاظ,في حين أنه عندما تحتاج لوحة او تمثال الى تذييل أو شرح بالكلمات فإن هذا يعني إما أنها لم تحقق وظيفتها أو أن الجمهور محروم من نعمة البصر.
كتب الكثير عن الفن,غير أنه لم يكتب شيء عن علاقته بالمخ البصري – الذي يعبر من خلاله عن كل الفنون سواء بالإدراك أو بالإنجاز أو بالتقدير.
وكتب قدر كبير,وإن لم يكن كثيرا,ع المخ البصري,غير أنه تضمن القليل عن علاقته بأحد أهم منتجاته وهو الفن.ومايبعث على الدهشة بشدة أنه لم تقم رابطة بين وظائف الفن ووظائف المخ البصري.وسبب هذا الإغفال يكمن في مفهوم الرؤية وفي عملية الإبصار,اللذين املتهما الى حد كبير حقائق قوية ولكن بسيطة مستمدة من علم التشريح وعلم الأمراض.وهذه الحقائق جاءت بخلاصة دفع إليها أطباء الأعصاب بصورة لا تقاوم,وصدتهم هم ومؤرخو الفن والنقاد عن طرح السؤال الوحيد الأكثر اهمية عن الرؤية والذي يمكن للمرء أن يسأله وهو :لماذا نرى؟وتبدي أية هذا السؤال على الفور توازيا بين وظائف الفن ووظائف المخ,والحق أنها تقودنا حتما الى خلاصة أخرى – وهي أن الوظيفة الإجمالية للفن امتداد لوظيفة المخ.وبهذا التعريف تتواجد بذور نظرية في الفن تتضمن أسسا بيولوجية راسخة,وتتوحد آراء بيولوجيي الأعصاب العصريين مع آراء أفلاطون وميكيل أنجلو وموندريان وسيزان وماتيس وكثير من الفنانين.
إن مفهوم وظائف المخ البصري الموروث عن بيولوجي الأعصاب العصريين قام على حقائق تم الحصول الرئيسية بين هذه الحقائق كانت التوضيح الذي قدمه سالومون هنشسن طبيب الأمراض العصبية السويدي وخلفاؤه في اليابان وانجلترا,وهو أن شبكية العين ليست متصلة تماماً بالمخ بكامله أو حتى بنصف المخ بل متصلة فقط بجزء من القشرة المخية موصوف جيدا ومحدد.
سمي أولاً القشرة الحية البصرية ثم سمي فيما بعد القشرة البصرية الأولية (المنطقة V1),ولهذا فهي تشكل "المكان الوحيد لدخول الأشعة البصرية الى عضو عقلي",وهذا الاكتشاف الخطير ادى الى معركة ممتدة بين مؤيديه ومناوئيه الذين فكروا فيه بوصفه "تحديداً بالغ الإفراط في صرامته",واعتبروا أن المدخل البصري الى المخ,بكونه ممتدا بدرجة كبيرة جدا وبوصفه متضمنا اجزاء كبيرة من القشرة المخية التي كان من المعلوم أن لها وظائف اخرى,هو فكرة إضافية تظل على مستوى واحد مع تعاليم السيكولوجي الفرنسي بيير فلورنس.فقد تخيل فلورنس,سلف السيكولوجي الأمريكي كارل لاشلي,ان كل وأي جزء من القشرة يشترك في كل من أنشطتها.
وحتى السنوات الأولى من هذا القرن لم تحسم لصالح التمركز بين مسألة وجود منطقة بصرية مستقلة تقع في جزء محدد تشريحيا وهستولوجيا من القشرة.ووجد الكثير أيضا لتعزيز الفكرة المتعلقة بالمنطقة V1 بوصفها المركز البصري "الوحيد".فقد تبين أن لها مظهرا تام النمو عند الولادة كما لو أنها جاهزة "لاستقبال الانطباعات (البصرية) المتكونة فوق الشبكية".
في حين أن القشرة المحيطة بها تنضج على مراحل مختلفة بعد الولادة,وكما لو أن النضج يعتمد على نيل الخبرة,وهذا يجعل من القشرة المحيطة مراكز إدراك عالية تسمى Cogitatzionzentrum ووظيفتها تفسير الصورة البصرية المستقبلة في المنطقة V1,أو هذا ماتخيله أطباء الأعصاب.
وفضلا عن ذلك فالأضرار التي تلحق بالمنطقة V1 تؤدي الى العمى,الذي يكون مكانه ونطاقه مرتبطين مباشرة بمكان وحجم الضرر,وفي المقابل فالأضرار الواقعة على القشرة المحيطة ينتج عنها أعراض بصرية متزامنة غامضة اشير إليها في البداية على أنها عمى ذهني وبعدئذ بوصفها عمه حسب المصطلح الذي ادخله فرويد.وهذه الحقائق مجتمعة أضفت القوة الفعالة ل "الرؤية" على المنطقة V1,وقادت أطباء الأعصاب الى تصورها بوصفها "الشبكية القشرية" والعضو المخي الذي يستقبل الصور البصرية "المنطبعة" فوق الشبكية,مثلما يحدث فوق لوح فوتوغرافي – وهو تناظر وظيفي شائع الاستخدام.وكانت الرؤية,إذن,عملية غير فعالة في حين ان مايرى عملية فعالة,وفصلت هذه الفكرة الرؤية عن الفهم وخصصت مقعدا قشريا لكل منهما.
هذا التصور ترك مجالا ضيقا أمام السؤال المتعلق بسبب الرؤية,وسلم بديلا عن ذلك بالرؤية بوصفها أمراً مفروغا منه.وبطرح السؤال اليوم تفترض القلة ان ذلك السبيل هو مايمكننا من تقدير الأعمال الفنية,بينما تقدم الكثرة إجابات عينية متعلقة عموما ببقاء الأنواع.إن الغالب الأعم من تلك الإجابات يشمل كل الأعمال (الفنية) النوعية,ويحدد وظيفة الرؤية بأنها "نيل المعرفة الخاصة بالعالم".
وتوجد بالطبع طرق أخرى للحصول على تلك المعرفة – من خلال حاسة اللمس أو الشم أو السمع مثلا – ولكن واقع الحال هو ان الرؤية هي الوسيلة الأكثر فعالية للحصول عليها,فهناك بعض انواع المعرفة مثل لون السطح أو تعبير وجه لايمكن الحصول عليها إلا من خلال الرؤية فحسب.
لايتطلب الأمر سوى لحظة تفكير لإدراك أن الحصول على المعرفة ليس أمراً سهلاً.فالمخ معني فقط بالحصول على المعرفة المتعلقة بالأشياء الدائمة والضرورية,أو معرفة الخصائص المميزة للأشياء والأسطح التي تسمح له بتصنيفها. بيد أن المعلومات التي تصل الى المخ من تلك الأشياء والأسطح تكون متدفقة باستمرار.فقد يصنف وجه ما كوجه حزين,وبالتالي يقدم المخ معرفة عن شخص رغم التغيرات المستمرة في ملاحمه وفي زاوية الرؤية,او حتى رغم هوية الوجه المرئي,كما أن مصير شيء ماقد يضطر الى تقريره عن طريق اتجاه حركته,بغض النظر عن سرعته أو مسافته وقد يضطر الى تصنيف شيء ماحسب اللون مثلما يحدث عندما نحكم على نضج فاكهة صالحة للأكل.
غير ان تصنيف طول موجة الضوء المنعكس من شيء ماليس ثابتا دائما,فهو يتغير باستمرار حسب الوقت من اليوم من دون أن يستتبع هذا اي تغير مادي في لونه.وقدرة المخ على تحديد لون ثابت لسطح ما أوشكل ثابت لشيء مايرجع اليها عموما بوصفها ثبات اللون أو ثبات الشكل.غير أنه ثبات الإدراك ظاهرة أوسع بكثير.إنه يرى ايضاً,وكمثال,على الوجوه التي يمكن تمييزها حين ترى من زوايا مختلفة وبغض النظر عما تحمله من تعبير.وهناك أيضا اأسميه ثبات الوضع حين يكون المخ قادرا على تصنيف حادثة أو حالة بأنها مبهجة أو محزنة..إلخ,بغض النظر عن الحادثة المفردة.
وهناك حتى ثبات الحكاية حين يكون المخ,مثلا,قادرا على التعرف على منظر مثل "النزول من على الصليب" بغض النظر عن الاختلافات في تفاصيل أو أسلوب التصوير.والمخ,في كل حال,يستخرج من المعلومات المتغيرة باستمرار التي تصل إليه فقط ماهو ضروري لتعرفه على الخواص المميزة لمايراه,وهو مضطر الى استخراج سمات ثابتة كي يكون قادرا على نيل المعرفة المتعلقة به وتصنيفه.الرؤية باختصار عملية غير فعالة تعتمد كثيرا على عمل المخ وعلى البيئة الخارجية الطبيعية,ولابد أن يخصم المخ كثيراً من المعلومات التي تصل إليه,ويختار فقط ماهو ضروري لنيل المعرفة بالعالم البصري,ومقارنة المعلومات المختارة بسجله المخزون لكل ما يصادق على قول ماتيس "إن النظر,هو بالفعل عملية إبداعية,تتطلب مجهوداً".
وقد بين دليل حديث أن النظم المتعاملة هي أيضاً نظم إدراك حيث إن النشاط في كل منها يمكن ان يحدث إدراكاً دون الرجوع الى النظم الأخرى,وكل نظام تعامل مع الإدراك تنتهي مهمته الإدراكية في وقت مختلف قليلا عن النظم الأخرى,ويفضي بالتالي الى عدم تزامن إدراكي في الرؤية – فاللون يرى قبل الشكل,والشكل يرى قبل الحركة,وتكون أفضلية اللون على الحركة من 60 – 100 ميللي ثانية.الإدراك البصري,باختصار,متميز بمجموعة نظم متوازية للتعامل الإدراكي وبمراتبية زمنية للإدراك البصري.
التعريف الذي قدمته فيما سبق عن وظيفة المخ – وهو البحث عن أنواع الثبات بهدف الحصول على معرفة العالم – يسري بالقوة نفسها على وظيفة الفن.وبالتالي سوف أعرف الوظيفة الإجمالية للفن بانها بحث عن السمات الثابتة والمستمرة والجوهرية واللباقية للأشياء والأسطح والوجوه والاوضاع..الخ,التي تتيح لنا ليس فقط اكتساب المعرفة بالشيء الخاص او الوجه الخاص أو الحالة الخاصة الممثلة على قماش اللوحة بل ان نعمم معرفتنا,استنادا الى ذلك,على أشياء اخرى ونكتسب من ثم معرفة عن جزء كبير من الأشياء والوجوه.وفي هذه العملية يجب أن يكون الفنان أيضاً انتقائياً وأن يغلق عمله بالصفات الجوهرية وينبذ الكثير من الزائد.ويترتب على هذا أن إحدى وظائف الفن امتداد للوظيفة الأعظم للمخ البصري والحق أن الفلاسفة والفنانين تحدثوا في اغلب الأحوال عن الفن بلغة شبيهة الى أبعد حد باللغة التي يستخدمها طبيب الأعصاب العصري فيما بعد يتعلق بالرؤية,عدا استبدال كلمة المخ بكلمة "الفنان".ومن المدهش,مثلا,أن نقارن تعبير هرمان هلمهولتز عن "خصم المادة المضيئة" التي يرى بها سطح ملون (كي ينسب لون ثابت الى سطح) بتعبير ألبرت جليزس وجان متزنجر في كتابهما "التكعيبية".فحين كانا يدرسان جوستاف كوربيه كتبا "إنه غافل عن واقع انه كي نعرض علاقة صحيحة يجب أن نكون مستعدين للتضحية بألف حقيقة ظاهرة,وقد قبل من دون أدنى تحكم عقلي كل ماقدمته شبكيته له.ولم يشك في أن العالم المرئي يمكن أن يصبح العالم الواقعي وحسب بفعل العقل",وأنا أفسر "العقل" بمعنى المخ,أو يظل الأفضل أنه القشرة المخية.
ولتمثيل العالم الواقعي فغن المخ (أو الفنان) يجب ان يخصم (يضحي بـ ) قدرا هائلا من المعلومات التي تصل إليه,وهي المعلومات غير الجوهرية لهدفه المتعلق بتمثيل السمة الحقيقية للأشياء.
لهذا أؤمن بالرأي غير العادي الى حد ما القائل إن الفنانين هم أطباء أعصاب يدرسون المخ بتقنيات عديمة النظير.أو أنهم بالأحرى يسخرون الصفات المميزة للنظم المتوازية للتعامل الإدراكي الخاصة بالمخ لخلق أعمالهم,وأحياناً يقصرون أنفسهم بدرجة كبيرة أو بالكامل على نظام واحد كما في الفن الحركي.
بناء على ذلك,وإذ نلخص بكلمات الفنانين انفسهم كلا من المخ وأحد منتجاته وهو الفن,فنحن نقوم بمهمة وصف الأشياء كما هي.فكلاهما يواجه مشكلة كيف يستقطر من المعلومات المتغيرة على الدوام في العالم البصري فقط ماهو مهم لتمثيل السمات المميزة الدائمة والجوهرية للأشياء.والحق أن هذا كان تقريبا اساس فلسفة كانت فيما يتعلق بعلم الجمال (الاستاطيقا) لتمثيل الكمال,بيد أن الكمال ينطوي بداهة على الثبات,ومن ثم تنشأ مشكلة وصف الكمال في عالم متغير دوما.
لهذا سوف أعرف وظيفة الفن بأنها بحث عن الثوابتوالتي هي أيضا أحد أهم الوظائف الأساسية للمخ.وظيفة الفن,إذن,امتداد لوظيفة المخ – وهي البحث عن المعرفة في عالم متغير دوما.
المصدر: الثقافة العالمية