رحلة الهروب الكبير للعراقيين إلي أوروبا

المحرر موضوع: رحلة الهروب الكبير للعراقيين إلي أوروبا  (زيارة 4334 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Saad_7ana

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 241
    • مشاهدة الملف الشخصي


تفاصيل رحلة الهروب الكبير للعراقيين إلي أوروبا
اليونان محطة رئيسية لتهريبهم إلي دول وسط وشمال القارة




برلين- سمير عواد : تقوي علي سكر (19 سنة) طالبة فيزياء جامعية من بغداد، لا تزال تتذكر بوضوح أول انطباع حصلت عليه عن ألمانيا: ظلمة، برد، ورياح قوية. فهذه الشابة كتب عليها أن تختبئ مع والديها وشقيقيها وقضاء ليلة لن ينساها أفراد الأسرة في العراء تحت رحمة الطقس الألماني في سبتمبر/ أيلول الماضي. وفي فجر اليوم التالي عندما توجهت تقوي مع شقيقها المعلمين في العراق ووالديها إلي محطة القطار في مدينة ترير بالشطر الغربي من ألمانيا لشراء تذاكر للسفر إلي السويد، البلد الذي قرروا أن يقصدوه عندما بدأوا رحلة العذاب من بغداد. لكن خطتهم منيت بالفشل بعدما ألقت الشرطة القبض علي العراقيين الخمسة بعد الشك بهم ومحاولة التأكد من هوياتهم، وانتهت رحلة العذاب في السجن.

حصل هذا منذ أكثر من أسبوعين، وكانت نهاية معاناة دامت ستة أسابيع، سافر فيها أعضاء الأسرة العراقية بالطائرة وبالسفينة وبالقطار، عبر سوريا والأردن وتركيا واليونان وإيطاليا وفرنسا ولوكسمبورج إلي أن وصلوا ألمانيا. وكلفت الرحلة رب الأسرة علي سكر كل ما وفره في السنوات الماضية، نحو 50 ألف دولار.

في الغضون تم تحويل الأسرة للإقامة في مأوي للاجئين اسمه (سيستا) عبارة عن سفينة صغيرة راسية في حوض ميناء مدينة دوسلدورف، عاصمة ولاية شمال الراين وستفاليا التي يجري فيها اتخاذ قرارات الموافقة علي قبول اللاجئين أو رفضهم وإعدادهم للإبعاد عن البلاد. استنادا إلي دانييلا برول خبيرة اللاجئين التي تعمل مع جهة كنسية قامت بتأمين الضروريات للأسرة العراقية، ليست هذه حالة نادرة، ففي المدة الأخيرة بلغ معدل العراقيين الذين يصلون ألمانيا بطرق غير مشروعة طلبا للجوء 50 شخصا ومنذ سبتمبر/أيلول الماضي فإن غالبية المقيمين في سفينة (سيستا) أتوا من بلاد الرافدين.

يؤكد هذا التطور رأي المراقبين أن أكبر موجة نزوح في الشرق الأوسط التي بدأت بعد حرب العراق عام 2003 بنزوح جماعي للعراقيين، وصلت إلي ألمانيا. وفقا لبيانات هيئة الأمم المتحدة بلغ عدد اللاجئين العراقيين الذين غادروا بلدهم بسبب العنف نحو أربعة ملايين، 60 ألف عراقي يغادرون بلدهم كل شهر. وتوضح بيانات الهيئة الدولية أن عدد العراقيين الذين يطلبون اللجوء السياسي إلي بلدان صناعية زاد في النصف الأول من العام مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي بنسبة 133 بالمئة. وأصبحت ألمانيا بناء علي الإحصائيات الجديدة رابع بلد يقصده الفارون من العنف في العراق بعد السويد التي تحتل المرتبة الأولي ثم اليونان وأسبانيا.

والغريب أن ألمانيا التي لم تفتح أبوابها منذ البداية للاجئين العراقيين علي النقيض من السويد التي قدمت لعشرات الآلاف منهم تسهيلات كبيرة، الأمر الذي تؤكده أرقام اللجوء السياسي. صحيح أن العراقيين يحتلون المرتبة الأولي بين طالبي اللجوء لألمانيا في السنتين الأخيرتين، لكن نسبة منح اللجوء السياسي للعراقيين في ألمانيا ظلت ضعيفة للغاية. إذ بلغت نسبة القبول 8,3 بالمئة بين 2272 عراقياً طلبوا اللجوء السياسي لألمانيا في عام 2006، مقارنة سهلة مع السويد فإنها منحت حق اللجوء بنسبة تزيد علي 90 بالمئة إلي العراقيين الذين لجأوا إلي أراضيها، ولم تفكر بإبعاد الذين تم رفض طلباتهم، بسبب الوضع الأمني الخطير في هذا البلد.

لكن منذ منتصف مايو/ أيار الماضي عقب أن قررت ألمانيا تغيير موقفها المتشنج حيال اللاجئين العراقيين والاستجابة إلي نداءات المسؤولين السويديين بأن تشارك دول أوروبية المملكة الأسكندنافية بتحمل الأعباء واستقبال اللاجئين الهاربين من جحيم العنف في العراق، أصدر فولفجانج شويبلي وزير الداخلية الألماني الذي ينتمي للحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم، قرارا يسمح لأعضاء الأقليات الدينية باللجوء إلي الأراضي الألمانية. إضافة إلي ذلك، لم يعد العراقيون يخسرون حق اللجوء لألمانيا مثلما كانوا يتعرضون لذلك بعد تغيير نظام الرئيس السابق صدام حسين عندما طلبت السلطات الألمانية من آلاف العراقيين الذين لجأوا لأراضيها مدعين الهرب من نظام صدام حسين، العودة إلي بلدهم وشرعت لترحيل 20 ألف عراقي.

لكن صور العنف الدامي الذي يجري يوميا في العراق، وإلحاح المسؤولين السويديين علي الشركاء في الاتحاد الأوروبي، تقاسم أعباء الهاربين من العراق إلي أوروبا، جعلت الألمان يغيرون موقفهم. هذا ما يوضحه تسهيل منح اللجوء السياسي للعراقيين. خلال الأشهر الثمانية الأولي من العام الحالي منحت ألمانيا حق اللجوء السياسي إلي ثلثي العراقيين الذين طلبوا اللجوء إليها. لكن ألمانيا ظلت محتفظة بحقها في إبعاد المجرمين والأفراد الذين تشك بأنهم يشكلون خطرا علي أمنها الداخلي إلي شمال العراق الذي يتسم بالهدوء.

الجدير بالذكر أن ألمانيا ترفض حتي بعد استلام المستشارة المحافظة أنجيلا ميركل السلطة، أن تشارك عسكريا في حرب العراق، إذ رفضت الحرب منذ نشوء النزاع الأمريكي البريطاني مع نظام صدام حسين في عام 2002 وعارض المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر مشروع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بغزو العراق بعدما رفضت ألمانيا الأدلة التي تبين عدم صحتها من بينها أن العراق يملك أسلحة الدمار الشامل. وأدي موقف شرودر الذي حذر من النتائج المدمرة للحرب إلي توتر شديد في العلاقات بين برلين وواشنطن وقطيعة شخصية بين المستشار الألماني والرئيس الأمريكي انتهت بعد مجيء ميركل إلي السلطة في برلين.

وأكثر ما أثار قلق مسؤولي الأمن الألمان أن يجري تهريب أشخاص ينتمون إلي جماعات متطرفة في العراق، مع أعداد اللاجئين، للتخطيط وتنفيذ تفجيرات ضد أهداف أمريكية داخل ألمانيا ودول أوروبية أخري. لذلك فإن العراقيين يتعرضون لاستجوابات مكثفة قبل البت بطلباتهم.

مثلما شاع بين العراقيين في السابق أن السويد تفتح أبوابها للاجئين وتمنحهم السكن والمأوي وحياة أقرب إلي الحلم، فقد شاعت بينهم علي الفور التسهيلات التي وضعتها ألمانيا وعلي الفور بدأت تظهر النتائج التي توضحها الإحصائيات. ففي أغسطس/آب الماضي قام 706 عراقيين بتقديم طلبات اللجوء السياسي لألمانيا، وهذه النسبة تقريبا ثلاثة أضعاف نفس الشهر في العام الماضي. ويعتقد الألمان أن عصابات تهريب الأفراد تنشط منذ وقت في تهريب العراقيين إلي ألمانيا بعدما تبين لعصابات الجريمة المنظمة أنه يمكن الحصول علي مال من تجارة الأفراد يزيد عما يجنونه من الاتجار بالمخدرات والسلاح. استنادا لبيانات وزارة الداخلية الألمانية قد قفز عدد العراقيين الذين تم تهريبهم إلي ألمانيا ووقعوا بقبضة السلطات الألمانية خمسة أضعاف إلي الأعلي خلال الأشهر الستة الأولي من العام الحالي وبلغ 389 بينما بلغ العدد في الفترة نفسها في العام الماضي 78 فقط. كما أفادت بيانات الوزارة بأن الشرطة الألمانية ألقت القبض علي 342 عراقياً لا يحملون معهم وثائق شخصية. مقابل القبض علي كل مهاجر غير شرعي هناك عشرة يعيشون تحت الظلام.

لا تشكل هذه الأعداد مفاجأة علي ضوء العنف المستفحل في العراق. وفقا لمذكرة أعدتها وزارة الخارجية الألمانية في برلين حول أوضاع حقوق الإنسان في العراق، توضح المذكرة أن الحكومة العراقية عاجزة عن ضمان الحماية لمواطنيها. وقال علي سكر والد الطالبة تقوي أنه تعرض للخطف داخل منزله علي أيدي جماعة مسلحة.

تقول ألمانيا إن عصابات تهريب الأفراد تستخدم وسائل مكارة ومخادعة لضمان إيصال زبائنها إلي أوروبا. ويشكو المحققون الألمان من أن اليونان بالذات أصبحت محطة رئيسية لتهريب اللاجئين العراقيين إلي دول أوروبية أخري. من جهة ثانية فإن الشرطة اليونانية عاجزة عن مواجهة هذه العصابات التي أغرقت السوق اليونانية بجوازات السفر والتأشيرات المزورة التي يصعب جدا تميزها عن جوازات السفر والتأشيرات الحقيقية. ومن يستطيع شراءها والسفر كلاجئ درجة أولي بالطائرة إلي أوروبا، فإنه يوفر علي نفسه عناء رحلة طويلة من الشقاء مقابل خمسة عشر ألف دولار أمريكي. وتبلغ تكاليف رحلة الشقاء نحو 1500 دولار.

تريد ألمانيا أكثر من مكافحة عصابات تهريب الأفراد. إذ يعتقد الألمان أنه ينبغي علي اليونان وإيطاليا تشديد المراقبة علي حدودهما. كما يؤيد راينهارد جريندل خبير الشؤون الداخلية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي إرسال شرطة حدود ألمانية إلي دول في جنوب أوروبا وحوض البحر المتوسط للمساعدة في تسجيل اللاجئين والتحكم بالمشكلة ومنع مواصلة رحلة الشقاء إلي دول أخري في الاتحاد الأوروبي. غير أن الأوروبيين علي ما يبدو يريدون حل المشكلة من فوق. إذ أن المساهمة في إحلال الأمن والاستقرار في العراق الحل الأفضل والأنسب لوقف نزوح العراقيين إلي أوروبا. بينما بدأت أوروبا تستغيث بسبب مئات الآلاف من العراقيين الذين لجأوا إليها فإن سوريا التي فيها مليونا عراقي والأردن التي فيها مئات الآلاف من سكان البلد الجار، يتحملان العبء الأكبر من نزوح العراقيين، وبذلك تبعات حرب السيد بوش ضد العراق.

 
 
http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=287300&version=1&template_id=45&parent_id=42