2ــ افهم ذاتك لتفهم الله :
ولكن كيف يمكنك أن تميز بشكل صحيح. اسمع أحد الحكماء الذي ينصحك ويقول لك "ان أردت أن تفهم الله, ينبغي أولا أن تفهم ذاتك, من خلال تكوينك, من خلال خلقتك, من خلال عالمك الداخلي, انسحب وادخل الي داخل نفسك, انظر داخل نفسك كما في مرآة, ميز خلقتها, وستري أنك مخلوق علي صورة الله ومثاله". ان جوهر نفسك العاقل وغير المائت هو أمر مجهول الاسم وغير معروف, وهو مخلوق بحسب صورة ومثال الله غير المدرك وغير المائت. لأنه لا يوجد أي انسان من الذين ولدوا عبر العصور, قد أدرك الجوهر العاقل لله أو للنفس. النفس تعطي حياة, تؤلف وترعي طبيعة الجسد رباعية التركيب, صورة الله, ذاك الذي يتعهد خليقته المكونة هنا من أربعة عناصر والتي هي سمائية أيضا. ولهذا فأننا لا نستطيع أن نعرف حتي المكان الذي يسكن فيه الله, لكننا نؤمن فقط أنه موجود في كل مكان. ولا نعرف أيضا المكان الذي تسكن فيه النفس في الجسد, نعرف فقط أن النفس توجد وتعمل في كل الجسد.
النفس أيضا تملك شيئا آخر باعتبارها صورة الله, وأعني أن جوهرها مختلف عن طبيعة الكون كله. والأكثر غرابة من كل شئ, والتي تحمله خلقتنا علي صورة الله, أنه لا جوهر النفس, كما أن ماهيتها والكيفية التي بها تأتي الي الوجود, تعد أمورا لا يمكن للذهن الانساني أن يفهمها. ولهذا فكل من ادعوا خطئا أنهم قد فهموا, فهؤلاء قد تعثروا جدا. لقد قال البعض ان النفوس تأتي الي الأجساد من السماء, وآخرون يرون أن النفوس تأتي الي الوجود اذ ان الله يخلقها مع الجسد. البعض قال أيضا بأن الانسان الذي خُلق علي صورة الخالق, أصبح سببا لولادة الجسد والنفس في ذات الوقت. البعض يدعون أن النفس تولد من خلال التعاون المشترك للطرفين, الرجل والمرأة, كما يحدث عند احتكاك الحديد والحجر, فان هذا الاحتكاك يولد الشعلة. البعض أيضا يعلم بأنه في اللحظة ذاتها التي يُحمل فيها بالجسد تأخذ النفس وجودا. البعض الآخر يرجح أن اليوم الأربعين من الحمل هو اليوم الذي يؤتي فيه بالنفس كما يتصورون, باعتبار أن ذلك يعتبر قانون لهذا التكوين. ويتخيل البعض الآخر أن النفس هي واحدة في الجوهر مع الملائكة, وآخرون قالوا انها أقل من الملائكة, بينما يري غيرهم أنها تهيم في الهواء, والبعض قال انها تتحرك في الكون كحقيقة الهية. ومن أجل هذا, علي الرغم من أنها تتحد بالجسد, وهي مخلوقة علي صورة الله, وتُحيي الجسد, الا أنها تبقي خارج تأثير الشهوات الجسدية وأضرار الجسد المختلفة, ولا نستطيع ان نراها, ولا أن نفهم طبيعتها ونوعها وهيكلها وشكلها ونوعيتها وكمها وجودها ومما تتألف وجمالها.
ولذلك يقول ميثوديوس في وليمته ان النفس لها جمال فائق لا يوصف, ولهذا السبب يبدو أن الأرواح المشادة تحسدها, لأنها أخذت شكا أسمي من الكائنات العاقلة ذاتها. أما عدم الفهم وعدم الوضوح والغموض الخاص بالنفس لا يشار اليه الا لأنها تعتبر بالحقيقة, وعلي سبيل الحصر, صورة فقط لله غير المدرك. ولهذا ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها, فاننا نتحقق ونتأكد من وجودها من خلال أعمالها فق داخل الجسد. مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئي. لنأت الي النقطة الأساسية لموضوع الخلق"بحسب الصورة والمثال", لكي نُبين, كما وعدنا, فرادة الثالوث الالهي.
وما هي النقطة الأساسية ؟ من الواضح أنها النفس أيضا, وكلمتها العاقلة, التي دعاها الرسول بولس, روحا, عندما يعطينا وصية أن نكون مقدسين في النفس والجسد والروح. النفس أيضا غير مولودة ولا علة لها, وهي مثال لله الآب غير المولود والذي لا يوجد علة لوجوده. الا أن كلمة النفس العاقلة ليست بدون ولادة, بل تولد من النفس بطريقة لا يعبر عنها وغير منظورة ولا تُفسر, وليست لها علاقة بالألم أو الشهوة. بينما الفكر له علة أو سبب وهو ليس بدون ولادة, ولكنه ينبثق, يدرك كل شئ ويفحص كل شئ ويتلامس معه بشكل غير مرئي, علي مثال الروح كلي القداسة, والذي ينبثق أيضا والذي قيل عنه "الروح يفحص كل شئ حتي أعماق الله"( 1 كو 2 : 10 ) . النفس حين توجد داخل الجسد فهي لا تعتبر منبثقة, لأنها اذا كانت منبثقة, لكنا قد متنا كل ساعة. وكلمتنا لا توجد بدون ولادة, لأنه اذا حدث عكس ذلك سنكون مثل الحيوانات غير العاقلة. والأكثر دهشة من هذه الأمور أننا لدينا نفسا بسيطة, وعقلا واحد غير مركب, أما كلمتنا فهي مزدوجة في ذاتها ومحفوظة كواحدة غير منقسمة. فالكلمة تولد داخل القلب ولادة غير مدركة, غير متجسدة, وتبقي مجهولة داخلنا. وبعد ذلك تولد ولادة جسدية من خلال الشفاه, وحينئذ تصير معروفة للجميع. ولكنها لا تنفصل عن النفس التي ولدتها, حتي أننا ندرك بكل وضوح الميلادين اللذين لكلمة الله من خلال الميلادين الذي لكلمتنا "بحسب الصورة والمثال"
حقا لقد ولد من الآب قبل كل الدهور, بصورة غير مرئية, لا تُشرح وغير مدركة. وكان غير معروف, كما لو كان داخل الآب الي أن ولد جسديا من العذراء القديسة بدون فساد, بدون رجل, وظهر الي العالم, دون أن ينفصل عن جوهر الآب الذي ولده. وبناء علي ذلك تري أن فرادة جوهر نفوسنا غير المائتة والعاقلة تحمل صورة لها ثلاث خواص أقنومية, عدم ولادة النفس, ولادة الكلمة, وانبثاق الروح, أي الفكر. وأتشجع وأتجرأ بأن أقول انه بحسب هذه النظرية الثالوثية غير المرئية للنفس, قال الرسول بولس ان الانسان خلق بحسب صورة الله غير المرئي. فان لم يكن هذا حقيقيا, فلماذا لم تُخلق النفس اذا من الله ولها قسمان أو أربعة أقسام, بل لها ثلاثة أقسام فقط, والتي لا تختلط فيما بينها وفقا لصورة الثالوث القدوس المحيي الواحد في الجوهر, حتي أنه لو كان مسموحا أن أقول ان داخل الانسان وبالأحري الانسان البار يسكن, بصورة شكلية وليس جوهريا, كل ملء الألوهة التي تحدد بصورة غير مُعلنة الله الثالوث؟ ولهذا فان حكماء العالم قد حددوا, من منظور آخر, أن النفس تتكون من ثلاثة أقسام, مُعلمين كيف أنها تحمل الرغبة, الفكر, الاحساس, حتي أنه عندما تتحد الرغبة في محبة الله بالفكر يمكن أن تستقبل في داخلها المعرفة والحكمة التي تأتي من الله, وباحساسها تقاوم الأرواح الشريرة الخبيثة, مُبينين أيضا من خلال هذه الأمور الثلاث, معني "بحسب صورة الله". لأن الثالوث يحكم ويضبط ثلاثة أقسام بثلاثة طرق أي السماويات, والأرضيات, وما تحت الأرض, من خلال قدرته الخالقة, وعنايته, وسلطانه العادل. وكل ما يعمله الله, فانه يعمله وفقا لاحدي هذه الطرق الثلاث, اما أنه يخلق, أو يعتني, أو يُهذب. وصورة الله الخالق هي في الرغبة. لأن الرغبة تقود الي العمل, أما عنايته فرمزها في القوة الفكرية للنفس. الاحساس أيضا هو مطابق للتهذيب. وربما الخاصية المميزة للنفس هي في الرغبة. لأن الأطفال حتي قبل أن يتكلموا, باعتبارهم نفوس, نجدهم يشتهون علي الفور أن يرضعوا وأن يناموا. أيضا القدرة الفكرية من الواضح أنها خاصية العقل, بينما الاحساس يرافق العقل, وكل من يغضب بالمخالفة للطبيعة يثير فيه اضطرابا.