المسيح بعد الصلب في ثقافة البينة
متابعة و تعليق / فادي كمال يوسف / عنكاوا كوم / مكتب بغدادالمسيح بعد الصلب .. قصيدة (بدر شاكر السياب(
نشرت جريدة (البينة الجديدة) في صفحة ثقافية دراسة نقدية لقصيدة الشاعر الكبير بدر شاكر السياب ( المسيح بعد الصلب ) للناقد عدنان الظاهر جاء فيها :
الحلقة الأولى
عدنان الظاهر
بعدما أنزلوني، سَمِعتُ الرياحْ
في نواحٍ طويلٍ تسفُّ النخيلْ
والخطى وهي تنأى. إذن فالجراحْ
والصليبُ الذي سمّروني عليهِ طوالَ الأصيلْ
لم تَمُتني. وأنصَّتُ : كان العويلْ
يعبرُ السهلَ بيني وبينَ المدينةْ
مثلَ حبلٍ يشدُّ السفينةْ
وهي تهوي إلى القاعِ.كان النواحْ
مثلَ خيطٍ من النورِ بين الصباحْ
والدجى، في سماءِ الشتاءِ الحزينةْ.
يمثل هذا المقطع، الذي إستغرق الصفحة الأولى من صفحات القصيدة التي تنوف على الخمس، الدائرة الأولى من بضع دوائر تتوالى متداخلةً حيناً، متباينة المساحة والمحيط لكنها تشترك في بؤرة واحدة أو مركز واحد. أو متماسةً أو متباعدةً أحياناً أُخَرَ… من حيث الموضوعات والصور والرؤى والأغراض. يبدو هذا المقطع للوهلة الأولى مقطعاً مَهيباً مفعماً بالجلال وحرارة الإحساس بمأساة السيد المسيح ودقة وصدق التعبير عن هذا الإحساس. الأمر الذي ربما يدل على قدرة السياب على تقمّص أو إستنساخ المسيح شخصاً وفكراً وموقفاً ثم مصيراً. أي أنه نجح في الدخول في جسد المسيح والإستقرار في روحه حتى إنه لم يعدْ يميّز بين ما له وما للمسيح. آية ذلك، أو إحدى تلك الآيات، أن الشاعر يتكلم بلسان المسيح ( بعدما أنزلوني )… ( والصليب الذي سمّروني عليه ). هل مرَّ السياب بمحنة تعادل محنة المسيح مع كُهّان الهيكل وكَتَبَته في أُورشليم في فلسطين و جند القائد الروماني بيلاطس وهيرودُس؟ بالتأكيد كلاّ. هل سُجن أو عُذّب ؟ كلاّ. لقد طورد إبّان العهد الملكي في العراق فغادره للعمل في الكويت. ثم حورب وفّصل من وظيفته بعد ثورة تموز 1958 في العراق فبالغ في جنوحه نحو اليمين ونشر ما نشر في بعض صحف بغداد الصادرة يومذاك متبرئاً من ماضيه وعقيدته وإلتزامه السياسي السابق. لا شيء إذن يجمعه ومحنة المسيح، فلماذا أنطق نفسه بضمير المتكلّم نيابةً عن المسيح ؟ لم تحمل القصيدة تأريخ كتابتها. سأركّزُ على هذا المقطع لأنه البداية والواجهة ولأنه يحمل ثقل القصيدة الأكبر من بين بقية المقاطع. تحليل وتفكيك هذا المقطع يكشف عيوباً جديّةً في نسيجه وبنائه وتسلسل أفكاره بل وحتى في لغته : 1 - لامنطقية بعض الصور الشعرية وإهتزازها : الصور الشعرية في الأسطر الثمانية الأولى في هذا المقطع صورٌ محكمة السبك وناجحة. غير أنَّ الصورة الأخيرة تخيّب ظن القاريء. الصورة التي تقول (( كان النواحْ… مثلَ خيطٍ من النورِ بين الصباحْ… والدجى في سماء الشتاءِ الحزينةْ )). حسناً، من حقنا أن نسأل الشاعر : كيف جمع النواح والنور ؟ كيف يكون النواح وهو حزن وصراخٌ وألم… كيف يكون نوراً والنورهو الأمل والضياء والتفاؤل والحياة؟
لقد ورّطت مجموعةُ صور مركّبةٍ سابقةٍ الشاعرَ فجرّته من يديه جرّاً وأسقطته في فخ الصورة الأخيرة. أعني لوحة الصور الثلاث المركّبة التي صاغها في الأسطر التي سبقت الصورة الأخيرة في الصفحة الأولى. ((كان العويلْ… يعبرُ السهلَ بيني وبين المدينةْ… مثلَ حبلٍ يشدُّ السفينةْ … وهي تهوي إلى القاعِ )). وللمقارنة السريعة سأُعيدُ كتابة بعض ما جاء في التشكيلتين من الصور:
كان العويلُ… مثلَ حبلٍ يشدُّ السفينةْ
كان النواحُ… مثلَ خيطٍ من النور…في سماءِ الشتاءِ الحزينةْ.
لست بحاجةٍ للتذكير أنَّ الحبل هو مجموعة خيوطٍ وأنَّ الخيط هو بدوره حبل أو جزء من حبل.لم يتورط الشاعر بشكلية التعبير عن الصور حسبُ :
كان العويلُ مثلَ حبلٍ …
كان النواحُ مثلَ خيط…
بل وأسلس قياده لضغط تأثير وإغراء التصويت السجعي بالقوافي ( المدينة… السفينة… الحزينة…). إذا كان قصد السياب في هذه الصورة الأخيرة، التي تضع أمامنا أكثر من علامة إستفهام، أن يقولَ إنَّ النواح قد إستمر طوال الليل حتى الصباح. عندئذٍ سنسأله : وعلام كل هذا النواح ما دام المسيح قد أُنزلَ من صليبه وقام حيّاً يسمع كباقي البشر ويُنصت كبقية العباد؟ ثم إنه يُقرر بشكل لا لَبسَ فيه إنه لم تمته الجراح ولا الصليب الذي سمّروه عليه:
بعدما أنزلوني، سَمِعتُ الرياحْ
إذنْ فالجراحْ
والصليبُ الذي سمّروني عليهِ طوال الأصيلْ
لم تُمتني …
متناقضات سببها على ما يبدو الوهن وضعف قدرة الشاعر على التركيز والسيطرة على عاصفة توهج موهبته الشعرية التي تفرض عليه إتجاهاتها العشوائية ومساراتها المنفلتة وتتركه عاجزاً مشلولاً لا حولَ له ولا قوّة. أم، تُرى، هنالك قوة سحرية غامضة تمارسها سرّاً هذه الإتجاهات والمسارات على فكر وإحساس وشاعرية بدر شاكر السياب فتدمغه بطابعها وتحركه أنّى شاءت وكيف شاءت هي لا كيفما يشاء هو. ثم لماذا إختار فصل الشتاء في البيت الأخير (( في سماء الشتاء الحزينة )) وهل له علاقة بتأريخ أو زمن الصلب ؟ سألت بعض الأصدقاء المسيحيين عن اليوم والشهر الذي صُلب فيه المسيح فقالوا إنه الرابع عشر من شهر نيسان أو ربما يكون قد وقع في شهر آذار. أما إذا لم يكن الشاعر قد قصد زمناً أوفصلاً معيناً بعينه كتأريخ لصلب عيسى فسيكون حشر " الشتاء " في هذا السطر مجرد حشو فراغٍ لا أكثر. وتلك طامّة كبيرة لا يتمناها أحدٌ للشاعر. 2- الركوع أمام سلطان السجع والتقفية :
هذه ظاهرة عامة ومشتركة يتقاسم عيوبها جميع شعراء الشعرالحر، شعر التفعيلة. علماً أنَّ السياب هو الشاعرالوحيد بينهم الذي أعطى نفسه حرية التنقل في القصيدة الواحدة من بحر إلى آخر ( في القصيدة موضوعة البحث، ينتقل من فاعلن فاعلن فاعلن إلى فعْلن فعْلن فعْلن، أي من بحر المتدارك إلى بحر الخبب ). نرصد على هذه الصفحة ( 457 ) ترادف القوافي : الرياح، الجراح، النواح، الصباح.ثم
النخيل، الأصيل، العويل. ثم المدينة، الحزينة. ثم التسجيع بالألف المقصورة : الخُطى وتنأى. ثم التسجيع بالألف الممدودة والهمزة : سماء الشتاء. جاء كل هذا الحشد الزاخر من المحسّنات البديعية في عشرة أسطر لا غير!! مع ذلك، ورغم الإستطراد غير الموفّق الذي رأينا آنفاً، فإنَّ في المقطع تكثيفاً بالصور لافتاً للنظر. وفيه آلية حركية أضفت عليه سمة متميزة من سمات الجمالية والتفرد. في تحليل وتفكيك المقطع نرى أن الشاعر قد وظّفَ عشرة أفعالٍ جاء نصفها في الزمن الماضي
(أنزلوني، سمعتُ، سمّروني، لم تمتني، وأنصتُّ ) وجاء النصف الآخر بصيغة الزمن الحاضر(تسفُّ، تنأى، يعبرُ، يشدُّ، تهوي ). لقد نجح الشاعر، ربما بدون وعي كامل منه، في أن يقيم معادلة التوازن ما بين عالمي الماضي والحاضر من خلال مقابلة و مزج صيغتي زمني الفعلين الماضي والمضارع. الزمن واحد من أخطر أركان بناء القصيدة. ففيه ومنه تأتي الحركة داخل دروب ومنعطفات القصيدة. ثم إنه المقياس الفيزيائي للحركة. وإنه هو الهواء الذي تتنفس والضوء الذي ينير ظلمات الشاعر فكراً وروحاً. والصور في الشعر لا تكون على أبلغ ما تكون إلاّ بالأفعال. ففي الفعل حركة وإتجاه في الفضاء ( المكان ). وفي الحركة أو نتيجة لها تتولد صورة أو مجموعة صور تتفاوت في درجة وضوحها وأصالة ألوانها وشدة تأثيرها في النفوس. ثم إنَّ الزمن الحاضر ما هو إلاّ الإمتداد الكوني الطبيعي لحركة الزمن الماضي، أي أنه إبنه ووليده. إذنْ جمع السياب الإبن والأب معاً. وذلك أمر ينسجم مع العقيدة المسيحية ( الأب والإبن وروح القدس ) ومع السياق العام للقصيدة، عنواناً ومحتوى.
هل جاء ذكر " النخيل " في هذا المقطع سهواً وعفوَ خاطرٍ ؟ كلا. الشاعر إبن البصرة، حاضنة وأم النخيل. لقد جاء ذكر النخلة ثانيةً في مقطع آخر من القصيدة. ثم لنتذكر النخلة التي وُلِد المسيح عيسى تحتها (( فآجاءها المخاضُ إلى جذعِ النخلةِ قالت يا ليتني مِتُ قبلَ هذا وكنتُ نسياً منسيا / سورة مريم، الآية 23 … وهُزّي إليكِ بجذعِ النخلةِ تُساقطْ عليكِ رُطَباً جنيا / سورة مريم، الآية 25 )). لذلك أطلق أبو العلاء المعري على النخيل صفة " أشرف الشجر" كما جاء في بيته الشعري :
شرِبنا ماءَ دجلةَ خيرَ ماءٍ
وزُرنا أشرفَ الشجرِ النخيلا.
نقطة ضعف أخرى في هذا المقطع : جاء خلواً من أي بشر خلا المسيح نفسه بعد نزوله حيّاً من الصليب. ألغى الشاعرُ المسيحَ إذ أعطى نفسَه حقَ الكلام نيابةً عنه. لقد طغى صوتُ الشاعر وغطّى كلَّ صوتٍ عداه. ورغم الكثافة الظاهرة وسبك وبهرجة الصور التي يفتقر بعضها للمنطق وقوانين المعقول، يبدو المقطع بعد القراءة المحايدة، المتأنية والتفكير الطويل، شاحباً كأنه أرض خلاء. الإصحاح الرابع والعشرون من إنجيل لوقا يخبرنا بما قام به المسيح بعد مغادرته قبره من حوارات مع بعض الناس وحركة هنا وهناك وطلبِ طعامٍ ونصحٍ بقراءة الكتب وتتبع أخباره في الصحف الأخرى. فالمسيح الحقيقي بعد صلبه غير مسيح السياب.
في الصفحة التالية يدور الشاعر على عقبيه دورة كاملة فينأى عن كافة موضوعات وأطروحات المقطع الأول. يضعنا السياب في هذا المقطع في أجواء مدينته جيكور الريفية الغارقة بنور الشمس والماء وخضرة الحقول والتوت والبرتقال والزهور والسنابل. إنتقل نقلة فجائية من عالم الظلام والتشاؤم والألم إلى عالم البهجة والتفاؤل. فما تفسير ذلك، وما الذي أراد أن يقول ؟ إذا كان المقطع الأول يعني موت المسيح فهل يعني المقطع الثاني عودة أو قيامة المسيح ؟ جائز. مقابلة الموت .