الرسالة 17 من تحت الأنقاض


المحرر موضوع: الرسالة 17 من تحت الأنقاض  (زيارة 798 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Abdullah Hirmiz JAJO

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 604
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الرسالة 17 من تحت الأنقاض
« في: 18:40 05/11/2007 »
الرسالة 17 من تحت الأنقاض
صديقي الوفي:
أسمح لي أن أستعير هذه الجملة من رسائلك لأنك فعلا هكذا، كونك ما زلت تشعر بآلامي وتجعلني قريبا منك دوما ولا أحسُّ بوجود هذا الكم الهائل من الكيلومترات التي تفصلنا جسديا لكن روحينا هي كما يبدو متلاصقة ونعيش بالروح كوحدة واحدة؛ نفرح .. نتألم كما لو كنا متجاورين ماديا.
أيها الأخ العزيز: إن بلدنا الذي كان منذ قديم الزمان شعلة من النشاط وبنى حضارات وصروحا مازالت بعضها شامخة إلى يومنا هذا، وأجدادنا عملوا كل شيء بوسائل بسيطة لعدم وجود انترنيت ولا موبايل ولا كومبيوتر ولا بريد أليكتروني ولا سيارات ولا .. ولا .. ورغم كل هذا تسيدوا الدنيا وكانت الجنائن المعلقة أحدى أبداعاتهم التي هي من العجائب التي أبهرت الدنيا وحاول باحثون كثر معرفة أسرار هذا الصرح العجيب ومازالوا لم يتوصلوا إلى السرّ فيه، لكننا اليوم رغم توفر كل هذا الذي انحرم منه أجدادنا ما زلنا نركض وراء الحضارة الحديثة ومهما أجهدنا انفسنا تبقى المسافات بعيدة بيننا وبينهم!! فما السبب؟ هل ترشدني إلى السرّ في هذا؟
إن بابل تبكي فقد استباحها الغرباء، ولا أدري إن كانت حجارتها الأثرية ما زالت في موقعها وهل أن أسدها الشهير مازال في مكانه شامخا يتحدى من استباحوا الأرض من حوله، أم أنه هو الآخر كان مصدر رعب لهم وتعرضوا له!!! فبلدنا أيها العزيز مليء بالكنوز وربنا أنعم عليه بالخيرات كونه بلدا مباركا خاصة وأن مخطط الله لخلاص البشر قد انطلق من هذه الأرض !! فكيف يرضى الله لنا نحن من أصبحنا ورثة لإبراهيم أن يصل الأمر بنا لهذا الحد؟ يأكلنا الألم ويحصدنا الموت الزؤام ويقضي علينا القتلة المأجورون ويعيث طلائع جوج وما جوج بنا وبأرضنا فسادا!! لم يكتب التاريخ مثيلا له!!! لكن حاشى لله أن يكون هو الذي يسمح بحدوث كل هذا، لأنه جلّت قدرته يصون عباده ويُبعد عنهم الشرّ ورجاله، ولو أن التجارب تأتي لكي تمتحن الرجال والناس الأصفياء ليبرهن هؤلاء من خلالها ومن خلال التغلب عليها أنهم ورثة للرسالات والأنبياء.
عزيزي: ليست بابل وحدها التي تبكي، لكن أور أيضا أخذت تسأل الذاهب والآتي بحثا عن أبراهيم أبنها الذي اضطرته رسالته واستجاب لرسالة السماء وتركها إلى حيث أراد له الله ان يستقر، أعمامه وأخواله مازالوا يقتفون أثره ويستنجدون طالبين الرحمة آملين من قريبهم ومن صلة الرحم التي تربطهم بإبراهيم أن تكون لهم شفيعة لكن دون جدوى، فلسان حالهم كما هو في بابل لأن من أستباح أور يقول لهم أذهبوا فإبراهيم لم يعد له وجود سوى في الكتب، وأرضه وأرض أهله أصبحت مشاعا للقادمين الجدد كي يعيثون بها كيفما شاؤوا!!!
وماذا اتحدث لك عن نينوى، هذه المدينة الخالدة التي أنجبت العضماء الذين أخضعوا الدنيا ووصلوا إلى نقاط بعيدة من الأرض كي يتسيدوها، وأصبحت مدينتهم نينوى الأعظم بين مدن العالم وأسوارها يحرسها حيوانات أسطورية من الثيران المجنحة التي يرتعب الأنسان حتى من النظر إليها!!! اليوم حتى هذه أصبحت أنقاضا مستباحة وثيرانها المجنحة باتت لا تخيف أحدا، وأسوار نينوى أصبحت أطلالا يعيث الأشرار في كل زواياها بحيث أصبح اسم مدينتها الخالدة (الموصل) مرعبا لكل من ينوي السير بين حنايا أرضها؛ فأخبار القتل والذبح والتفجيرات سرعان ما تتبادر إلى الأذهان، وحتى العبور من ساحلها الأيسر إلى الساحل الأيمن يكون مخاطرة عظيمة وكأني بالعابرين يتسلقون جدار برلين هاربين من شرقها لغربها وقت كان ذلك الجدار شامخا وشاخصا عنيدا لكل من يحاول تسلقه بحثا عن الحرية في الجانب الآخر، لكن شتان ما بين هذا وذاك فالحرية مفقودة في الجانبين، وأين المفر؟
وإن عرجت شمالا في أرض العراق ستجد تركيا تقصف الأراضي العراقية من الجهة الغربية وأيران من الجهة الشرقية وكأني بأهل العراق في موقفهم كموقف مقاتلوا القائد العربي الذي وضعهم فيه جاعلا إياهم أمام خيارين لا ثالث لهما، فالعدو من امامكم والبحر من ورائكم، فأين المفر ولا حلّ سوى القتال، فإما النصر أو الشهادة، والعبور إلى المستقبل الأفضل وحتى لو كان هذا العبور على حساب أشلاء أناسٍ كانوا تحت إمرة آخرين إن لم يواجهوا من يقاتلهم فصاحب أمرهم يقضي عليهم ويقتلهم!!!!
وهكذا أيها العزيز حال شرق العراق وغربه، حتى أصبحنا نستنجد بأبناء العشائر وكأنها كانت نائمة حيث بتنا نطلق على هذه (صحوة) الأنبار أو ديالى أو صلاح الدين و... وكأنهم كانوا إلى اليوم نائمين أو منغمسين مع الأعداء، وعشائرنا تقبل بهذه التسميات ربما دون وعي منها لدلالات التسمية، فتصور يا عزيزي إن رئيس أكبر دولة في العالم (جورج دبليو بوش) يأتي خصيصا لكي يجتمع مع رئيس مجلس أحدى هذه الصحوات الذي ذهب هو الآخر ضحية للعنف الذي حاول أخماده، احترق هو أيضا بالنار الذي كان مخلصا مع أخوته يحاول أخماد أوارها!!!
فأي زمن نحن به؟ بحيث يأتي الرئيس بوش مباشرة من واشنطن إلى الأنبار ليجتمع بالمغفور له أبو ريشة مع اعتزازنا بكل الرجال الأبطال من أبناء بلدنا الذين نفتخر بهم عندما نقرأ التاريخ ونحن طلابا وأنت تعلم كم كنا نتلذذ بقراءة تاريخ أمتنا وبطولات رجالاتها ونزداد فخرا عندما نطلّع على بطولاتهم، لكن الذي أثار استغرابي في زيارة الرئيس بوش هو جانبها السياسي، فأين دَرَسَ شيوخ العشائر المباديء السياسية كي يجلسوا ويتحاوروا فيها مع رئيس أكبر دولة في العالم الذي يحلم رؤساء دول كثير حتى لو لهم شرف التحدث بكلمة معه، وأتساءل إن كان لديهم ألمام بما دونه دانتي أ ميكيافيلي أو الفيلسوف الذي قال: إنني أفكر إذا إنني موجود!!!!
بلا شك أن السياسة فنٌ، والفن نابع من عقول أشخاص تفكر وتحلل وتقدم على إنجاز ما ينتج من أفكارهم وهكذا نفتخر بما يخرج من بين أنقاض العراق من عقول تفرض على أكبر الساسة في العالم أن تجلس معها على طاولة واحدة .
أأمل أن نصل يوما إلى أيقاف سقوط الأنقاض بل أن نصل إلى وضع سند لها وترميمها كي لا تسقط بل نبني ليرتفع البنيان إلى السماء ومعها ترتفع رؤوس العراقيين عاليا ولا يعودوا لاجئين في خارج ديارهم ولا في أرضهم، بل يكونوا أسيادا في أرضهم يتعاملون مع الآخرين ندا لند وفي قلبي أردد إن غدا لناضره قريب، لذلك أطلب منك أن تدعوا معي وتقول: آمين.
عبدالله النوفلي
28 أيلول 2007