"الجالية المسيحية" وفق العقلية العراقية
أبرم شبيراأثارت الكتاب الرسمي الذي أصدرته الأمانة العامة لمجلس الوزراء في العراق بتاريخ 27/7/2007 ونعت المسيحيين في العراق بـ "الجالية" موجة من السخط والاحتجاجات بين المسيحيين، وخاصة الآشوريين والعلمانيين من دون رجال الدين، متهمين الحكومة العراقية أما بالجهل بالتاريخ الحضاري والقومي للمسيحيين في العراق أو بالقصد والنية السيئة من أجل النيل بالمسيحيين ومحو خلفيتهم التاريخية العراقية الأصيلة، وهي ظاهرة جيدة تنم عن مدى تمسك المسيحيين بحقهم التاريخي في موطنهم الأصلي، إلا أن مع هذا أفتقرت هذه الاحتجاجات التحليل النظري والإطار الفكري في فهم هذه الظاهرة عند الحكومة العراقية ورجالاتها وأقتصرت على الردود الفعلية الطبيعية لكل مجموعة أو قومية تحاول الحفاظ على كينونيتها والدفاع عن أساسها الشرعي والتاريخي.
وقبل الولوج في طرح الإطار النظري في فهم العقلية العراقية بخصوص هذه المسألة، نود أن نوضح بعض الأمور بخصوص الكتاب المكذور أعلاه:
الكتاب صدر بتاريخ 26/7/2007 مختومة بـ (سري وعاجل) وموجه إلى مكاتب الوزراء التاليين: الداخلية والنفط والإعمار والإسكان والمهجرين والمهاجرين وحقوق الإنسان وأيضا إلى مكتب الأمين في أمانة بغداد. وموضوع الرسالة هو (طلبات الجالية المسيحية في العاصمة بغداد) وجاء في متن الكتاب مايلي (حصلت موافقة السيد رئيس الوزراء على تقديم المساعدة الممكنة بخصوص تنفيذ طلبات الجالية المسيحية في بغداد وبعد إطلاعه على الملف (المرفق طيا) ... للتفضل بالإطلاع وإتخاذ مايقتضي كل حسب إختصاصه) المرفقات: نسخة من الملف حول الموضوع أعلاه).... الكتاب موقع من قبل الأمين العام لمجلس الوزراء وكالة ومؤرخ 27/7/2007 ...
الغرض من سرد مضمون الرسالة هو بيان بعض الملاحظات ذات الإهتمام والمثيرة للتساؤل منها: أن الكتاب سري ولكن لم يمضي شهرين حتى أصبح منشوراً على الكثير من المواقع الألكترونية كما أنه من الغريب أن يكون الكتاب موجهاً إلى وزارات قد لا تعني المسيحيين بشئ أو بمشكلتهم، منها وزارة النفط وزارة النقل ... ترى لماذا وجه الكتاب لهاتين الوزارتين في الوقت الذي نعلم كلنا بأن مهما كانت مشكلة المسيحيين في العراق فأن لا علاقة لهم بهاتين الوزارتين من غير أن يكون هناك سر لا نعرفه. والمثير للإنتباه والتساؤل هو إشارة الكتاب إلى طلبات الجالية المسيحية وتلبية هذه الطلبات. وقد يكون الملف المذكور والمرفق بالكتاب يتضمن أجوبة لمثل هذه التساؤلات والتي لم يكشف عنها. ومن الملاحظ بأن الكتاب صدر في فترة كانت التفجيرات الإرهابية للكنائس في بغداد وبعض المدن العراقية في أوجهها لذا من المحتمل أن تكون "الطلبات المسيحية" صادرة من جهات دينية بخصوص توفير الحماية لهم، ولكن مع هذا تبقى علاقة الوزارتين النفط والنقل موضوع تساؤل مثير للإستغراب... أفهل طلبت "الحالية المسيحية" تخصيصات مالية من واردات النفط لبناء الكنائس؟ وهل طلبوا باصات من وزارة النقل لنقل رعيتهم؟؟؟ قد يكون في هذه الأجوبة نوع من المزحة أو السخرية ولكن هل بقى في العراق في هذه الأيام نوع من الجدية في الحياة العامة؟؟؟
على العموم، مهما كان مقصد الجهة التي أصدرت الكتاب ونعتت أقدم شعب في التاريخ لا زال يسكن موطنه الأصلي بـ "الجالية" لهو أمر مقزز ومثير للإشمئزاز سواء أكان هذا النعت بقصد أو بغير قصد، فأنه لايمكن أن نفهمه إلا من خلال الأطار النظري للفكر العراقي والعقلية العراقية تجاه الأقليات، مع التحفظ في ستخدام هذا المصطلح. في عام 2001 كتبت كتاباً بعنوان "الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة مسألة في العقلية العراقية تجاه الأقليات" أصدرته دار الساقي في بيروت ولندن. ومصطلح "الجالية المسيحية" الذي أورده كتاب مجلس الوزراء ما هو إلا نموذج تطبيقي آخر للنماذج التي ذكرتها في الكتاب. فالكتاب يعرض أسلوب أو طريقة فهم العقلية العراقية لمسألة الأقليات وأخذت الآشوريين كمسألة للدارسة، مؤكداً القصد من الآشوريين هو كل الطوائف المنتمية إلى فروع كنيسة المشرق وتحديدا الكلدانية والسريانية مع التركيز على الطائفة المشرقية "النسطورية" التي أرتبطت تسميتها في الفكر العراقي بالتسمية الآشورية ولأسباب سياسية بحته ذكرتها بشكل مفصل في متن الكتاب. الكتاب هو دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة لأفكار وممارسات لمجموعات رئيسية من حزبية وقومية وطائفية سائدة في العراق وكيفية النظر أو التعامل مع الآشوريين في العراق ومع مسألتهم القومية والتي تبينت في نهاية المطاف بأن الجميع ينظرون إليهم نظرة متشابهة أطرتها العقلية العراقية التي تكونت من تراكمات المواقف السياسية المستمرة تجاه الآشوريين طيلة فترة طويلة وعبر مختلف النظم السياسية التي تواكبت على السلطة في العراق. ومرد هذا التشابه يرجع إلى نفس المصادر من دينية وتاريخية ونفسية وسياسية التي أقتبسوا منها وكونوا عقليتهم تجاه الآشوريين. وأتضح في التحليل الأخير بأن المفهوم العثماني عن الشعوب غير المسلمة وعن المختلف ترسبت في العقلية العراقية ولم تستطيع التخلص منها، بإستثناء قليل جدا، رغم إختلاف المذاهب السياسية والدينية والطائفية والقومية في العراق. وأخذنا نماذج من كل مجموعة قومية وحزبية وطائفية وسياسية لأثبات ما ذهبنا إليه في كيفية فهم العراقيين للمسألة الآشورية بشكل خاص والأقليات بشكل عام. وما هو "الجالية المسيحية" إلا مصطلح جديد في قاموس العقلية العراقية. من هذا المنطلق فإن إختلاف الدين أو الطائفة أو الموقف السياسي أو الايديولوجي أو الفكري لم يؤثر في العقلية العراقية تجاه الآشوريين لا بل وحتى إختلاف النظام السياسي لم يؤثر أيضا فالعقلية العراقية بقي هي هي دون تغيير إلا في بعض الأحيان وحسب الظروف السياسية الداخلية والدولية ولكن في جوهرها بقيت دون أي تأثير إيجابي في طبيعة العلاقة بين الآشوريين كشعب أصيل للعراق وبقية المجموعات العراقية والتي تستحتق البعض منها أن يطلق عليها بالجاليات لأنها نزحت قبل أقل من قرن من الزمن إلى بلاد مابين النهرين، موطن الآشوريين الأصلي.
واليوم النظام السياسي في العراق، بغنى عن الظروف السياسية والارهاصات التي تحيط به، هو غير الأنظمة السابقة من نواحي عدة إلا أن عقليته تجاه الأقليات المسيحية وتحديداً الآشوريين منهم بقيت نفسها دون تغيير. فإذا كان الآشوريون في ظل الأنظمة السابقة مجرد "طائفة دينية نزحت إلى العراق ولا تربطها بصلة بتاريخ العراق أو بالآشوريين القدماء" فإن مصطلح "الجالية المسيحية" هو نفس المفهوم أو الموقف الرسمي تجاه المسيحيين والآشوريين تحديداً يمتد جذوره إلى المرحلة العثمانية الفاسدة. من هذا المنطلق أيضا يجب أن لا نستغرب أن تكون ديباجة الدستور العراقي خالية من الإشارة إلى بابل وآشور والتاريخ القديم للعراق ولا إلى الإضطهادات التي عانها الآشوريون في ظل الأنظمة السابقة ذلك لأن هذا ليس جزء من تاريخ القابعين على السطلة في العراق ولا المتحكمين على مقدرات الوطن. فتاريخهم في العراق له عمراً لا يتجاوز بضعة قرون. وحسناً فعلوا بهذا السلوك العثماني لأنه سيبقي بتصرفهم هذا تاريخ أكد وسومر وبابل وآشور حصراً على الآشوريين بكل طوائفهم وتفرعاتهم الأصيلة.
والتساؤلات العديد والمثيرة تبقى دائماً قائمة ... أفهل وفق هذه العقلية المتخلفة التي تدور ضمن عقلية "العداء السافر" ورفض المختلف نستطيع نحن أن نضمن حقوقنا في العراق.... أفهل نصدق بعض السطور المهلهلة والخجولة في الدستور العراقي، إذا كا يصح أن نسميه دستوراً، أن تحمينا من سيف الأرهاب الجسدي والفكري وتضمن حقوقنا القومية في أرض أجدادنا في الوقت الذي كراسي صنع القرار وساحة اللعب بمقدار الشعب الأصيل للعراق محجوزة سلفاً ومخصصة طائفياً وعرقياً، ولكن إذا طالبنا بالحكم الذاتي أو منطقة إدارية لشعبنا أنهالت علينا النعرات العنصرية والعرقية كما كان يفعل العثمانيون والأنظمة السابقة للحكم في العراق. واليوم تأتي بدعة "الجالية المسيحية" لتقول لنا أنتم يا معشر بابل وآشور ما أنتم إلا مجرد جالية غرباء عن العراق لا تستحقون غير أن تكونوا أهل ذمة تدفعون الجزية وألا فالويل لكم كما هو حالكم في منطقة الدورة ومناطق أخرى في بغداد التي تحدث من دون وازع قانوني وأخلاقي. أفهل أعتذار من الحكومة العراقية بخصوص الجريمة التي إقترفتها بحق المسيحيين في العراق بنعتهم بـ "الجالية" يزيل المفاهيم العثمانية من عقول رجالاتها؟؟؟؟ أشك في ذلك! وأمل أن أكون مخطئاً وما على رئيس الحكومة العراقية إلا إثبات ذلك.