موت سميرة
نصرت مردان
باقة شوق إلى ( عينكاوة) الحاضرة دائما في الذاكرة ،
والتي جمعتني لسنوات وسنوات مع الأخوين العزيزين
المخرج لطيف نعمان وصديق الأيام الصعبة فرج نعمان
لم أكن أتصور قط إنني سأشهد موت سميرة. إنني سأراها في يوم ما جثة هامدة أمامي في واحد من أيام الأربعاء التي اعتدنا أن نلتقي فيها.وإنني سأقف مشدوها أمام جثتها بدلا من أنهال عليها بالقبل المحمومة، متأملا عينيها الخضراوين وهما تتطلعان بنظرات ثابتة متجمدة على المائدة التي كنا نجلس عليها نرتشف النبيذ.
كنا حريصين أن نتحدث عن كل شيء إلا عن سنوات طفولتها العشر التي قضتها في السجن إلى جانب أمها التي قضت حياتها كسجينة سياسية، والسنوات التي تلتها في ملجأ الأيتام، تعرضت فيها إلى اغتصاب مدير الملجأ، ولا عن سنوات الجمر التي قضيتها أسيرا في إيران، عقب الحرب التي اندلعت لسنوات طويلة.
ألقي نظرة إلى الخارج من وراء الستارة الكثيفة التي جاهدنا، أنا وسميرة، على أن نجعلها لا تعكس أي شيء من الخارج. لم نكن نريد ان تفسد لقاءاتنا أصوات الشاحنات العسكرية ولا أصوات البيانات التي تصدر من الراديو والتلفزيون في توقيت واحد.
في كل لقاء، كانت سميرة دافئة، متدفقة بالحياة، شقية كصبية مراهقة حتى في لحظاتها الأخيرة.
لا أزال أتذكر كيف رمت شعرها الجميل إلى الخلف ثم وضعت يديها على جنبيها، وهي تقول بلهجة شقية:
ـ أفندي ! متى ستتزوجني ؟
ـ وماذا تفعلين بمجنون مثلي ؟
ردت بتحد ٍ، وهي تدفعني إلى الكرسي :
ـ أنا أحب المجانين ! هل تحتاج إلى توضيح آخر ؟
هل كان الموت الذي انساقت إليه نهاية تلك اللعبة التي كنا نخترعها بين حين وآخر؟
كانت اللعبة الأخيرة التي قادتني إليها مختلفة عن اللعب التي اعتدنا على ممارستها بنزق في كل مرة كنا نخلد فيها إلى عالمنا الخاص بعيدا عن العالم الغريب المتدفق الذي ينساب مثل نهر مجنونٍ خارج الغرفة التي تحتوينا.
أتأملها دون أدنى شعور بالرهبة أو الخوف. المسدس الذي أوقف الحياة في شرايينها ملقى إلى جانبها، والدم بدأ يتخثر على صدغها. أمسح الرماد عن شعرها الذي طالما داعبته، مليون مرة وقبلته مليون مرة. وحدها الموسيقى التي اعتدنا على سماعها كل أربعاء لا تزال منطلقة غير عابئة بموت سميرة. كنا نستمع الى هذه القطعة في كل لقاء من كل أربعاء.
كم من أربعاء قبلتها!.. كم من أربعاء أغضبتها! ..في لحظات الزعل والغضب "والنرفزة"، كانت تحرمني في الأربعاء المقبل من تقبيلها. لكننا في كل الظروف لم نتخل عن ألعابنا المجنونة، التي كانت هي بالذات تمتلك موهبة كبيرة في ابتداعها.
في مرة قالت لي:
ـ هيا ..اربطني بالحبل، واذهب أنت للشرب مع أصدقائك !
هذه كانت لعبة (المرأة المطيعة) .في الليل، رجعت متأخرا. لكنني وجدتها جالسة في انتظاري وما أن رأتني حتى صرخت كطفلة شقية :
ـ لقد نجحت ..لقد نجحت !لم أحاول فك وثاقي قط.
لقد نجحت في الفوز باللعبة التي اختارتها بنفسها. طلبت مني أن أشعل لها سيكارة كمكافأة على نجاحها في اللعبة..
في لعبة (للصبر حدود) قالت لي وعيناها تلمعان بخبث :
ـ هيا لنرى من يتحمل أكثر ؟
كانت عبارتها هذه مدخلا للبدء في لعبة من يتحمل أكثر (لسعة) نار السيكارة على الذراع.
أنظر إلى أثار الكي على ذراعها. أستطيع تشخيص ثلاثة حروق. لم استطع ثنيها عن الاستمرار في هذه اللعبة إلا بصعوبة ورجاء شديدين .
ـ أنا أعرف لماذا تحبني؟..لأنني لا أشبه الأخريات.
أتأمل شحوب الموت الذي يتعمق رويدا رويدا على وجهها الحبيب. ترى هل كانت ثمة قوة خفية خارجة عن إرادتها دفعتها إلى لعبة الموت في نهاية الأمر؟
أنتبه أنها تلبس نفس الفستان الذي لبسته عند ممارستنا للعبة (بنت الباشا).
ـ أنا الآن بنت باشا، وعليك تنفيذ كل أوامري.
ثم بدأت تمطرني بأوامرها:
ـ أطبخ لي رزا !
ـ أغسل جواربي !
ـ غن لي شوي شوي !
ـ اضحك مثل إسماعيل ياسين !
ـ اقرأ مقاما ليوسف عمر !
ـ صح كالديك !
في النهاية فقدت صبري، وصرخت بأعلى صوتي :
ـ كفى ! ألعن أبو الباشا وسلالته لسابع ظهر !
أخرج رسائلها من بين كتبي الموضوعة على الرف. كانت تحرص أحيانا على قراءتها لي بصوت مشوب بالسخرية .
" لو وضعوا مدينة أخرى فوق مدينة كركوك أفقيا، لن تصل إلى قامة الحب الذي أحسه تجاهك يا غبي! "
" الحاج راضي ، الرجل الطيب الوحيد في حياتي يريد تزويجي من رجل صالح، رزين .. هذا الحاج الطيب لا يدري بأنني سأصاب حتما بالجنون، لو وضعت رأسي على نفس الوسادة مع زوجي الرزين المنتظر بعد اسبوع، وليس بعد سنوات من العشرة، لا سمح الله "
" تذكرتك اليوم وأنا استمع إلى أغنية (وحياة عينيكِ), تذكرتك وأنت ترددها بصوتك الأجش المذكور في القرآن. أحبك كما أنت، بصوتك الأجش، بغرفتك المبعثرة ..حذار أن ترتدي بدلة عند لقائنا! والا سأنفجر من الضحك يا حبيبي. لست بحاجة إلى رجل بهيئة كارسون من درجة أولى! "
لم أكن اصدق إنني سأرى سميرة جثة هامدة أمامي. وان اليوم سوف يكون آخر أربعاء في حياتها.
حينما وَصَلـَت هذا الصباح، ألقت بنفسها على الكرسي، وأخرجت من حقيبتها قنينة من النبيذ. ثم بدأت كعادتها ببعثرة أوراقي وكتبي بفضول لا ينتهي. عندما رأت المسدس المشؤوم بينها، أشرقت ابتسامة رضا على وجهها، وكأنها عثرت على لعبة جديدة. صرخت بشقاوة :
ـ من أين لك هذا ؟
ـ انه من مخلفات المرحوم أبي.
أعدنا السلطة. أغلقنا الستارة بإحكام كعادتنا. كنا نستعد لقضاء يوم أربعاء جديد. ارتشفنا قليلا من النبيذ. كنا ننحضر لقضاء يوم ممتع كالعادة. قالت لي فجأة :
ـ لتكن لعبتنا اليوم لعبة (الروليت الروسي).
كنت قد سمعت عن هذه اللعبة. رصاصة واحدة في المسدس ثم نضغط على الزناد. نوع من المقامرة المميتة. رفضتُ فكرتها. عانقتني بعناد وغمرت وجهي بالقبلات. كانت تبحث عن الإثارة.
ـ كلام شرف ، سنجرب اللعبة لمرة واحدة فقط . لا تخف سأبدأ أنا أولا .
ضحكت عيناها الخضراوان. لأول مرة شممت رائحة العطر تفح من جسدها المجنون.
مجت نفسين من سيكارتها بعمق، وارتشفت رشفة من النبيذ. قهقهت ضاحكة وهي تغمزني هامسة:
ـ جبان !
مع دوي الطلقة، انتشرت رائحة بارود نفاذة في الغرفة. انهارت على الأرض من الكرسي، وبدأ الدم يتدفق من صدغها. هرعت إليها بلهفة، أهزها بعنف. لكنها كانت قد ماتت وكنت الشاهد الوحيد على اللعبة التي قادتها إلى الموت.
* * *
أخرج إلى الشارع المليء بمتناقضات الحياة، بالأسود والأبيض. بالخير وبالشر.
كان صوت (فريد) ينطلق من دكان بائع المرطبات "يا ربي إيه العمل دي حكمتك ؟"
مرت من أمامي سيارة فيها أربعة شبان يصيحون في وجه مطربة محلية، بدأت تشتهر مؤخرا :
ـ وين رايحة أم الـ … ألم تشبعي؟
من على شاشة كازينو (أحمد آغا) المذيع يتلو بصوت منفعل أخبار انتصاراتنا التي لا تنتهي.
فجأة تتوقف سيارة تابعة للجيش الشعبي أمام المقهى لاصطياد ما يمكن اصطياده من زبائن المقهى إلى جبهات القتال. مع توقف السيارة، يفر نصف رواد المقهى.
قارئ كف يقرأ مستقبل شاب:
ـ لا تقلق ..هي أيضا تبادلك بحب عظيم.
ـ يا حب يا بطيخ .. أنا أبحث عن عمل، بعد 13 عام من الخدمة العسكرية بالتمام والكمال!
سيارة إسعاف تحاول إيجاد منفذ مروري، لتواصل طريقها دون أن تمنحها السيارات المزدحمة حق الأفضلية في العبور. ينزل منها ممرض ليصرخ وسط الشارع بصوت عال ٍ :
ـ ولاد الكلب اعطونا الطريق. الرجل سيموت، ماعندكم إنسانية ؟
يمر سرب من سيارات عرس تطلق "زماميرها" باستمرار. تطل من إحداها مراهقة متبرجة بإفراط وهي تغني ملوحة ً منديلها :
بابا فين ؟
بابا هنا
هنا فين ؟
هينا هو
أنت مين ؟
أنا عمو
عمو مين ؟
يتبعني كلب ودود، ملوحا ً بذيله، منتظرا العطف مني بما يسد رمقه.
في باب بار (عمر الخيام) سكير يتقيأ بعنف كل ما شربه وكأن أمعاءه على وشك ان تخرج من فمه .
ـ بوووع ..بوووع !