قصة قصيرة جداًالأعجوبة
هيثم بهنام بردى
هي بقايا أطلال وسط المدينة العتيقة، بعصاه المعقوفة يضرب الحجارة الخرسانية ويحدق عبر عينيه الكامدتين، لم يبق من هذا العالم إلا... يشقل أكوام الحجارة الصمّاء التي كانت في تصالبها وتكاتفها فيما مضى تشكل بنيان داره العامرة التي عصفتها الأيام، فكّر وهو يمسّد لحيته البيضاء.
ـ سراب... كل شيء سراب.
تدور العينان الحجريتان، يراه في تفرده متهالكاً كأرملة في مقبرة مقفرة... آه... أيها الشيخ يا من ولدتني من رحم أصابعك، يا من زرعتني في أحشاء التبن والطين الحري الصلصالي، هلم إليّ...
يقترب من الحائط الأرمل، يلمسه بأصابعه، أحجار على أحجار بينها وسائد رقيقة من طين متقشر، يمد ساعداً مليئاً بالحبال الزرق ويفتت طبقة طينية فينسلّ التراب متساقطاً من بين أصابع ناصلة بأظافر خضراء مصفرة.
ـ هلم، يا أبي ضعني في حضنك الدافئ.
ويتهالك عليه، يشعر الشيخ براحة جسدية مفاجئة، يتحسس الحائط بالأحضان الدافئة، والأنفاس اللائبة للأب/ الأم/ الشيخ... والناس الذين حاولوا إخراج الشيخ من تحت الأنقاض عبثاً كانوا يفعلون، فقد صارا كياناً واحداً: الحائط والشيخ.