طلاّبُ علم...أم علبٌ محشوةٌ باللغات و...
سمير خوراني
S_khorani@hotmail.com لا أدري ما الحكمة التي يبتغيها المسؤولون الحكوميون والتربويون و(خبراء المناهج) في حكومة أقليم كردستان, حين يثقلون كاهل طلبتنا ويزيدون عسرهم عسرا, بإقدامهم على إضافة مادة لغوية جديدة تضاف إلى سلسلة اللغات الأخرى التي يدرسونها في مرحلة الإبتدائية, وكأنهم يتعاملون مع أجهزة للحاسوب أو مكائن لحفظ اللغات واجترارها, وليست عقول صغيرة يانعة بدأت بالتفتح للتو؟
في مطلع العام الدراسي الجديد, تفاجأ اكبادنا الصغار وهم يتوجهون إلى مقاعد الدراسة من جديد والغبطة تملأ قلوبهم, بمادة لغوية جديدة أضيفت إلى مناهجهم الدراسية المثقلة باللغات, وهي مادة اللغة الكوردية(اللهجة البهدينانية), وكأن اللهجة السورانية لوحدها ليست كافية, ربما تفطن هؤلاء الخبراء أنّ أولادنا حين يذهبون إلى مدينة دهوك, في جولةٍ سياحية, يجدون صعوبة في التفاهم مع أصحاب المحلات والأسواق والمصايف, ففكروا في القضاء على هذه المشكلة العويصة والمصيرية, وكأن كل مشاكلنا قد حُلَّت , وبقيت مشكلة تعلم اللهجة البهدينانية!
يقيناً أنّ كل لغات العالم وتحديداً اللغات التي ينطق بها أبناء الشعب العراقي هي محل تقدير واحترام, وانه لاغبار على مسألة تدريس اللغة الكوردية في مختلف مراحل الدراسة, في كوردستان, فهذا حق طبيعي ومشروع, لكن المتعارف عليه أنّ لكل لغة في العالم مقياساً أو ( ستاندرد) يحوي القواعد العامة لتلك اللغة بحيث تكون لغة موحدة للدراسة والمكاتبات والمخاطبات الرسمية, وإذا كانت اللغة تحوي لهجات متعددة, يتم اختيار اللهجة الأقرب الى اللغة الفصحى, أو الأكثر استعمالاً, أو يختار المجمع اللغوي إحدى اللهجات اعتماداً على اسس علمية أو فنية أو لغوية, ولم نجد في العالم لغة تُدَّرس بلهجتيها او بلهجاتها, وعلى سبيل المثال لا الحصر, اللغة العربية تنطوي على لهجات بعدد الدول العربية, عدا اللهجات المحلية داخل البلد الواحد وهي بالعشرات وأحياناً بالمئات, ومع ذلك هناك لغة عربية واحدة في كل تلك الأقطار, بها يدرس الطلبة, وبها يتم التعامل في مؤسسات الدولة الرسمية , وفي الفعاليات الأدبية والثقافية والإجتماعية وغيرها من مرافق المجتمع. ولم نسمع يوماً أن هناك لهجات عربية تُدَّرس في المدارس والجامعات, أو انها تُعتمد في المكاتبات والمخاطبات الرسمية.
إذا كان القائمون على العملية التربوية في كوردستان يهدفون من وراء هذا الإجراء تضييق الشقة بين اللهجتين السورانية والبهدينانية ومن ثم إيجاد لغة مشتركة وموحدة, وهو هدف مشروع, إلا أن هذه العملية لا تقع على عاتق الطلبة المساكين, الذين يدفعون ضريبة التجارب التي تجرى عليهم, وانما تقع على عاتق المجمع العلمي أو المجمع اللغوي في كوردستان, كي يوجدوا لغة موحدة مشتركة بين اللهجتين, ويوحدوا المصطلحات العلمية واللغوية والأدبية, ومن ثم يعمموها على وزارة التربية التي بدورها توعز إلى لجنة صياغة المناهج لكي تضع مناهجها على ضوئها. أما إذا كان لديهم هدف آخر فمن حقنا أن نعرف ما هو؟
من المعلوم أن السياسة التربوية والنظام التعليمي لأي بلدٍ يعتمد على الفلسفة التربوية والأيديولوجية التي اتخذتها الدولة إطاراً لها, على وفق استراتيجية طويلة الأمد, تبتغي من ورائها أهدافاً ونتائج واضحة, وهذا كله يعتمد بالدرجة الأولى على الأسئلة الآتية: ماذا نهدف من تدريس هذه المادة؟ ما الحاجة التي تدفعنا إلى إقرار هذه المادة؟ هل ستستطيع هذه المادة أن تخلق لنا بعد (20 أو30) سنة كوادر في المجال الفلاني؟ وهكذا.
فإذا كانت سياستنا التربوية تنبثق من فلسفة علمية صناعية تكنولوجية, فينبغي إذن أن تنصب جهود التربويين وخبراء المناهج على وضع مناهج ومواد تتعلق بهذا المجال, لذلك سيتركز الإهتمام على الرياضيات و الفيزياء والكيمياء والبيولوجي والميكانيك والكهرباء والألكترونيك وغيرها من هذه المواد العلمية. أمّا إذا كانت سياستنا وفلسفتنا التربوية قائمة على إنتاج جيل من البشر معبئين بالعواطف القومية والحماسات الوطنية والفكر السياسي الدعائي (البروباغندي), فحينئذٍ علينا التركيز على اللغات والفكر القومي والأناشيد القومية والتاريخ والتربية الوطنية وكل ما من شأنه أن ينمِّي هذا الشعور. وليس خافياً أنّ هذه السياسة التربوية قد أثبتت فشلها بعد سقوط الأنظمة المبنية على الإستعلاء القومي المتطرف الشوفيني, وبعد تعاظم دور العولمة والتكنولوجيا وتقنية الإتصالات التي حولت العالم الى مدينة صغيرة.
بالرجوع الى موضوعنا, نقول : هل من الحكمة أن يدرس طلبتنا في المرحلة الإبتدائية ما بين (4 إلى 5) لغات؟ هل أنّ سياستنا التربوية تهدف إلى إيجاد كوادر متخصصة في اللغة, وعلماء وعباقرة في اللغات؟ ثم إذا كان الطالب يصرف سنين وسنين في تعلم اللغات, فمتى سيتعلم العلوم ويتحصل على المهارات العقلية والفكرية؟ هل بمقدور الطالب في هذه المرحلة الأولية التي تتفتح فيها قدراته الجسمية والعقلية أن يلم بكل هذه اللغات ويتعلمها؟ ألا يحصل تداخل بين هذه اللغات , فيختلط الحابل بالنابل, ويضيع الخيط والعصفور, فيكون الطالب أشبه بالغراب الذي أراد أن يتعلم مشية العصفور فضيَّع المشيتين؟
يا لبؤس طلبتنا نحن (الكلدان السريان الآشوريين), عليهم أن يتعلموا خلال مرحلة واحدة الكوردية السورانية والكوردية البهدينانية والعربية والإنكليزية والسريانية, عدا المواد الأخرى التي تثقل كاهلهم وربما دون فائدة, لأنها مواد أكل الدهر عليها وشرب, وحبذا لوتلتفت وزارة التربية إلى هذه المواد التي ما عادت تنفع الطالب, وتخفف العبء عليه.
في الختام أقول كفانا مناهج قومية, ولنتعلم من العالم المتحضر ومن مناهجه كيف نصنع , وكيف نبني, وكيف نخترع, وكيف نكون متحضرين.[/b][/size][/font]