هل يحتاج العراقيون إلى مصالحة؟
د. سعدي المالح
يزور بغداد هذه الأيام وفد من جامعة الدول العربية لإجراء مباحثات ولقاءات مع أطراف وأحزاب وجماعات عراقية عدة ومحتربة فيما بينها تمهيدا لما يسمى بمؤتمر للمصالحة قد يعقد برئاسة عمرو موسى الأمين العام للجامعة.
هذه الزيارة أثارت منذ اليوم الأول ردود أفعال ونقاشات في الشارع العراقي وتناولها السياسيون من أطراف مختلفة، كل حسب توجهه السياسي والفكري والطائفي وميوله ومصالحه. فهناك من رفض كليا مبدأ المصالحة وفكرة انعقاد هذا المؤتمر على اعتبار أن العراقيين ليسوا بحاجة إلى مصالحة ولا سيما إذا كانت بمبادرة من الجامعة العربية المنحازة دائما إلى طرف من الأطراف. لكن في الوقت نفسه هناك من رحب بالمبادرة وأثنى على موقف الجامعة إما من منطلق يعتبر فيه الجامعة العربية متحيزة إلى جانبه أو أن هذه المصالحة قد تأتي بنتائج تكون إلى حد ما من مصلحته. وهناك من ينظر إلى مبادرة جامعة الدول العربية وانعقاد مثل هذا المؤتمر نظرة ايجابية موضوعية باعتبار أنها قد تؤدي إلى إيجاد مخرج للمأزق الذي يمر به العراق، وخاصة المأزق الأمني.
فهل يحتاج العراقيون فعلا إلى مثل هذه المبادرة والمصالحة؟
إن قراءة سريعة للتاريخ السياسي للعراق المعاصر منذ تأسيس الدولة العراقية وللآن تكشف لنا مدى الحقد الذي اختزنته قلوب الكثير من العراقيين خلال هذه السنوات سواء كانت بين نوري السعيد وأعوانه من جهة وبين الحركة الوطنية العراقية وخاصة الأحزاب اليسارية من جهة أخرى، وما أدى إليه هذا الحقد من قتل للعائلة المالكة على نحو مفجع وسحل لنوري السعيد بشكل عشوائي في الشوارع من قبل بسطاء الناس. أو الحقد المتولد بين عبد الكريم قاسم والحركة الكردية الذي أدى إلى نشوب قتال دموي كان بداية لحرب طاحنة ضد الشعب الكردي. أو الحقد المستفحل بين البعثيين والشيوعيين في عام 1963 أو بين البعثيين من جهة وبين الشيعة أو الأكراد أو أية فئة أخرى من أبناء الشعب العراقي التي طالها القمع.
إنه الحقد نفسه الذي أنتج أحقادا أخرى لا يزال يعاني منها الشعب العراقي. هذا الشعب الذي هو الآخر لا يزال يعيش العلاقات العشائرية والطائفية والفئوية التي لا تستطيع نسيان الماضي والتخلص من تبعاته.
إن استمرار مثل هذا الحقد والاحتراب مضافا إليهما القتل بين فئات مختلفة من الشعب العراقي سوف يزيد من الأحقاد والضغائن والتوتر وبالتالي يؤخر العراق في عملية البناء والتطور والديمقراطية بعد زوال النظام السابق الذي كان عاملا مساعدا على إنتاج الحقد وتسويقه.
إذن نحن بمسيس الحاجة إلى المصالحة بدلا من تأجيج الأحقاد وإلهابها بمزيد من العمل العسكري والقوة المفرطة من جميع الأطراف.
إن الحل السلمي والمصالحة الوطنية ضروريتان من أينما جاءت المبادرة إليهما لأن مثل هذه المبادرة والمصالحة ينبغي أن تناقش من جميع الأطراف على أسس وثوابت الوطن الواحد والمشترك لكل العراقيين، الوطن الذي ينبغي أن يوفر الفرصة للجميع أن يلعبوا في بناء مستقبله دورهم .
وبالطبع يجب أن نفرق في أثناء انعقاد مثل هذا المؤتمر والقبول بمثل هذه المبادرة بين ما هو إرهاب فعلي غايته القتل وبث الفرقة والشقاق وايقاف حركة التطور والبناء السياسي والاجتماعي للعراق وبين ما هو معارضة عراقية حقيقية مؤسسة على المصلحة الوطنية العراقية الغيورة على مصلحة العراق .
إن مبادرة الجامعة العربية مبادرة قيمة وضرورية وينبغي لها أن تلقى الاهتمام المطلوب من لدن جميع الأطرؤاف فيما إذا كانت حسنة النوايا ومنطلقة من مبدأ خلق توازن سياسي في العراق وقطع الطريق أمام الأحقاد التي بدأت ترفع رأسها من جديد.
إننا في الوقت الحاضر فعلا بحاجة إلى حسم الموقف سياسيا ومن خلال مصالحة حقيقية بين جميع الأطراف بحيث لا يشعر أحد أنه غالب أو مغلوب وليس إلى حسم الموقف عسكريا وسحق الآخر لمجرد معارضته للوضع السياسي معارضة يجد فيها شرعية ما بسبب ظروف الوجود الأجنبي المعقدة والتي قد تعطيه بعض الحق. إن القوة العسكرية مهما كانت غير قادرة على حسم تعقيدات الوضع الداخلي، وحتى إذا تمكنت من حسمه بالقوة فلن تلد تلك القوة وخاصة المفرطة منها إلا الحقد بينما الحل السلمي يلد التآلف الاجتماعي والتآخي وهذا ما نحن بحاجة إليه في عراقنا الجديد في هذا الوقت أكثر من أي وقت آخر.
وينبغي أن نفهم أيضا أن إنتاج الحقد عملية سهلة جدا وسريعة يستطيع القيام بها أي قائد أو سياسي متهور، بينما صناعة السلام عملية معقدة تتداخل فيها عوامل عدة تأخذ وقتا حتى تتآلف مع بعضها البعض ولا يمكن الوصول إليها إلا بمشاركة مجموعة كبيرة من سياسيين محنكين وقادة ورجال دولة ومفكرين وأناس يتمتعون بحكمة ودراية بالأمور.
والعين تسمع والإذن ترى!
13/10/2005 [/b] [/size] [/font]