عبدالمنعم الاعسم
العراق وتقرير ميليس
[/b]
في الاعتبارات الدبلوماسية، وقواعد العلاقات الدولية المثبتة في ميثاق الامم المتحدة والعلاقات الاقليمية المتفق عليها في ميثاق الجامعة العربية لا ينبغي ان تتدخل الدول في شؤون بعضها، غير ان حجارة الاحداث في هذا القوس الاقليمي الذي يقيم فيه العراق تتناثر بطريقة تضع هذه القواعد الدبلوماسية في مهب الريح إذْ يتضح ان "التدخل في الشؤون الداخلية" هو اسم مخفف لسياسات كارثية وعدوانية "متأصلة" في جذور النظام السياسي العربي.
وتقرير القاضي الالماني ديتليف ميليس الخاص بملف اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، وهو اغتيال سياسي تورطت فيه قيادات سورية ولبنانية من فضلات الماضي يكشف عن حقيقة مرعبة تتمثل في ان اجهزة المخابرات التابعة للانظمة العربية هي دولة داخل دولة، بل انها الدولة الفعلية التي تضم مؤسسات الرئاسة والحكومة ووزارات السيادة والخدمات معا، وجميع هذه المؤسسات العلنية لا تعدو عن كونها توابع في خدمة جهاز المخابرات الحكومي، أو سفارات له، وليس من دون مغزى ان يضع رؤساء الانظمة اقرب الرجال اليهم، من العائلة او الاصهار او العشيرة، على رأس اجهزة المخابرات والامن في صورة تتحد فيها الدولتان:دولة الرئاسة ودولة المخابرات.
تقرير ميليس، لو قرأناه مرتين، يضع دم الحريري، في واقع الامر، على عاتق مسؤولية النظام العربي كله..النظام المرتهن لجهاز مخابراته، وفي المقام الاول على عاتق الرئاسة اللبنانية الحالية، الممدد لها بقرار سوري متعسف، والنظام الامني والسياسي اللبناني السابق، حيث امر ميليتس باعتقال اربعة جنرالات مخابرات كبار متورطين في الجريمة، وجميعهم من المقربين الى رئيس الدولة، والموالين لسوريا، بل ان احدهم يتولى حراسة الرئيس اميل لحود مما لا يمكن لأي ساذج ان يعفي هذه الرئاسة، والذين مددوا لها من المسؤولية المباشرة.
على انه يمكن لمخابرات الدول ان تورط حكوماتها ومراجعها في مغامرات وتعديات، كما هو الحال بالنسبة لسوريا التي وجدت نفسها بين قرار حكيم بالانسحاب من لبنان وبين جهاز تابع لها تدخل، تعسفا، في تفاصيل الحياة اللبنانية ويشار له باصابع الاتهام لعلاقته بمقتل الحريري.
وفي هذه النقطةالمتعلقة بوجود دولتين وسياستين في كل نظام من انظمة القوس الاقليمي يقع العراق كضحية نازفة، حيث تتحدث هذه الدول بلسانين، لسان الدبلوماسية الرحيم ولسان المخابرات الرجيم..لسان التضامن اللفظي مع الضحايا العراقيين، ولسان التواطؤ العملي واللوجستي مع القتلة، وقد دفع العراق حتى الان ضريبة هذه الازدواجية التي وجدت تعبيرها في السؤال التالي: لماذا وجد صدام حسين افضل حلفاء له في البيئة اللبنانية المخابراتية التي اعدت مسرح اغتيال الحريري؟ ولماذا وجدت رشاوى صدام حسين النفطية في الكوبونات طريقا رحبا في لبنان والى اسماء كبيرة وردت في تقرير القاضي ميليتس..التقرير الذي قلب الكثير من المعادلات في المنطقة وسيقلب الكثير من الكراسي؟ ولماذا..لماذا حقا..ظهر على اتباع صدام والمدافعون عنه والمسجَلين على مصيره وجوما وبقايا غبار؟ ام ان صفرة الوجوه تفضح المصابين بالجرب، كما يقول ابن سيناء .
ـــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــ
"الحكومة المستبدة اخطر على روح الانسان من الوحش المفترس".
كونفوشيوس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد