دولة القانون ... تبدأ من محاكمة الطاغية
د. سمير خوراني
S_khorani@hotmail.comكلنا شاهدنا تفاصيل الجولة الأولى من المحاكمة (فوق العادلة) للطاغية وزبانيته بخصوص القضية الأولى منجملة قضايا سيحاكمون بشأنها, وهي مقتل(143) عراقياً في الدجيل عام 1982. وبعيداً عن التفاصيل القانونية ولعبة المماطلة التي مارسها المتهمون بخبث ودهاء ـ كما هو دأبهم ـ وأوّلهم الطاغية صدام. يمكن أن نسجل على المحاكمة الملحوظات الآتية:
1- يمكن القول عن المحاكمة أنّها محاكمة قانونية عادلة بحق وحقيق, فهي راعت حقوق المتهمين أشدّ مراعاة, وعاملتهم بكل أدب وكياسة واحترام, وهو شيء لم تتعوده الثقافة العراقية, وخصوصاً إزاء القتلة والمجرمين. ولهذا قلتُ في البداية أنّها محاكمة (فوق العادلة), لأنّ المتهمين(المجرمين) لا يستحقون كلّ هذا العدل والإحترام وهذه المعاملة الإنسانية, لما إقترفته أياديهم الآثمة من جرائم بشعة بحق كل عراقي وبحق كل شجرة ونهر وجبل وسهل وصحراء وطير وهواء, فهولاء لم يمسّوا شيئاً إلاّ ولوّثوه, لقد هدموا الإنسان العراقي من الداخل والخارج, جسداً وروحاً, إلى حد إننا نحتاج إلى مئة سنة على أقل تقدير كي ننسى ما فات, وكي تنصلح أحوالنا النفسية (التعبانة) قبل أحوالنا الجسمية والمادية.
لم يشهد التاريخ السياسي العراقي وحتى العربي والإسلامي محاكمة عادلة(في جلستها الأولى) كهذه, وهذا شيء تنشرح له صدورنا نحن العراقيين, ومدعاة للفرح, ومبعث للتفاؤل, ولو إستمرت الجولات الأخرى على هذه الشاكلة ـ وعهدي بها كذلك ـ فستكون بدايةً مبشِّرة للعراق الجديد الذي نريد أن نؤسسه على قاعدة القانون, والقانون فوق كل شيء.
2- الملحوظة الثانية أسجلها بحق القاضي رزكار محمد أمين , الذي أبدى برودة أعصاب منقطعة النظير ومرونة فائقة مع المتهمين, وتعامل معهم بكل شفافية, حتى أنّ كثيرين قالوا أنّه كان متساهلاً معهم, وهم يماطلون ولا يتعاونون معه في الكشف عن هوياتهم(أسمائهم) أو يربطون بين العقال والهوية, وحقق لهم مطالبهم باحضار(عقولهم), كحق شرعي وقانوني للمتهم. وهنا نقارن بين عدالة هذا القاضي و(لاعدالة) قضاة البعث العفلقي والنظام العفن, الذين كانوا ينزلون بحق الأبرياء عقوبات قاسية ما أنزل الله بها من سلطان, خلال دقائق معدودات, دون تحقيق أو مساءلة ودون أن يُعطى لهم حق الدفاع عن أنفسهم, ودون وجود محامين كما يفترض عرف القضاء وفق القواعد والإجراءات المرعية في المحاكم, وخصوصاً (المجرم) عواد البندر(رئيس محكمة الثورة) الذي كان قرار إصدار الإعدام عنده أسهل من شرب جرعةٍ من الماء. شتّان ما بين الحالتين.
3- المحاكمة كانت علنية, شاهدها كل العراقيين والعالم, (وإن كان هناك علامة استفهام حول تأخر بث المحاكمة عشرين دقيقة عبر الشاشات), ولعلها حالة نادرة في التاريخ العراقي والعربي, تعيد إلى أذهاننا المحاكمات التي جرت في نهاية الخمسينات من القرن الماضي في محكمة الشعب( محكمة المهداوي) التي كانت هي الأخرى علنية. عدا ذلك, لم تجرِ محاكمة علنية في العراق, لأنّ نظام البعث تعوّد أن يعمل دائماً في الخفاء والظلام من يوم مجيئه إلى السلطة وحتى سقوطه المخيب, الذي كان آخر حلقاته تخفِّي الدكتاتور- الفأر في حفرةٍ معتَمة.
4- طبقت المحكمة على المتهمين المبدأ القانوني(( المتهم بريء حتى تثبت إدانته)) , وهو مبدأ لا وجود له ولا لون ولا طعم ولا رائحة في الثقافة العربية أو الشرقية عموماً, لأنّ ثقافة الإتهام والتشكيك والتخوين والتحريم والتجريم بدون مسوِّغات قانونية وأدلة وبراهين مادية, هي الثقافة السائدة إلى درجة بات فيها الإنسان يُحاسَب حتى على نواياه وأحلامه, وهنا أتذكر قصة إمبراطور صيني, جرت محاولة فاشلة لإغتياله من قبل مجموعة من الفرسان, فقام باعتقال مرتكبي محاولة الإغتيال ومعهم مجموعة من الناس البسطاء الأبرياء الذين لا ناقة لهم في الموضوع ولا جَمَل, فأمر بإعدامهم جميعاً, فسُئل من معاونيه: إذا كان إعدامك مرتكبي الجريمة مبرراً ومقبولاً, فما سبب إعدامك هؤلاء البسطاء؟ فأجاب: كي لا تكون لديهم نيةً في القيام بذلك.
ولطالما تمنّينا وحلمنا نحن العراقيون بتطبيق هذا المبدأ( المتهم بريء حتى تثبت إدانته) الملغي تماماً من ثقافة المشتغلين في سلك الشرطة والأمن والتحقيق, فبمجرد الشك في شخصٍ(وقد يكون بريئاً) يعتقلونه ويقتادونه إلى سيارة الإعتقال بالرفس والركل والراشديات وتهشيم الأنوف وتكسير والأسنان والعظام, عدا ما يلقاه من المحققين الذين يحاولون بشتى الطرق إنتزاع الإعترافات منه لأمرٍ لم يفعله.
5- كانت محاكمة مدنية قانونية, لا كما عهدنا من محاكمات سياسية أو عسكرية. وهذا يقودنا إلى التأكيد على مسألة هامة جدا ونحن بصدد بناء العراق الديمقراطي الجديد, وهي إلغاء المحاكمات العسكرية والسياسية, وعدم اعتقال أيّ شخص أو حتى التحقيق معه أو التشكيك به لآرائه السياسية التي قد تخالف أيديولوجية الحزب القائد, أو الحكومة, وإلاّ بقينا على نفس الطاس والحمام. انتهينا من الحزب القائد إلى أحزاب قائدة.
6- المحاكمة أثلجت صدور العراقيين, وبعثت في نفوسهم الراحة- ولو قليلاً- وهم يرون جلاديهم داخل الأقفاص يُساءَلون كأي مواطنين عاديين, لا رؤساء أو وزراء أو مسؤولين لايطالهم القانون. لذا أرى أنّ المحاكمة ستعيد نوعاً من الإعتبار إلى العراقيين وتُشفي غليلهم وهم يرون القائد الهُمام المجاهد المؤمن بالله الذي كان يطلّ علينا ـ رغم أنوفنا ـ من كلّ كوةٍ وثغرةٍ ولوحةٍ ومنصةٍ وجداريةٍ وشاشةٍ وصحيفةٍ في كل يوم, وهو يتسلق جماجم العراقيين ويسحق رؤوسهم مبتسماً بخبث الأفاعي.
وبصرف النظرعن الحكم الذي ستصدره المحكمة بحقه وحق حاشيته المجرمة, فإنّ وجودهم داخل الأقفاص مدعاةٌ لانشراح الصدور وراحة القلوب, ولا سيما قلوب أمهات الشهداء الأبرياء.
7- لأول مرة نجد رئيس دولة عربية موضوعاً داخل قفص الإتهام, وهو أمر غير مألوف في الثقافة العربية, فالرئيس يدخل القصر في انقلابٍ أسودٍ أو أبيض, ويظل رئيساً للبلاد حتى يقبض الله على روحه, فيرثه أبناؤه وأحفاده وأحفاد أحفاده من بعده, اللهمّ إلاّ إذا أطاح به آخر فسارعلى نفس الغرار. وباستثناء لبنان لا يوجـد في القامـوس السياسي العـربي مصطلـح ( الرئيس السابق).
8- لا يزال الطاغية (صدام) يتصرف كأنّه (رئيس العراق), فيرفض الإجابة على أسئلة القاضي بشأن هويته( إسمه ووظيفته ومحل سكنه) كما هو معمول في إجراءات المحاكم, ويقول إنّه يحتفظ بحقه الدستوري كرئيس شرعي للعراق. ولا ندري من أين اكتسب شرعيته, من الإنقلاب الأسود الذي جاء به إلى السلطة, أم من(الزحف الكبير) و(البيعة الكبرى) التي كان ينال فيها نسبة 99,99% من أصوات العراقيين أم من مقابره الجماعية, أم من حروبه الخاسرة ومغامراته الطائشة؟!
9- خلاصةً لما ذكرته, أقول بأنّ هذه المحاكمة ستكون بدايةً لتأسيس دولة القانون في العراق الجديد. وإذا ما أردنا أن يكون عراقنا ديمقراطياً بمعنى الكلمة( شكلاً ومضموناً), فيجب أن نبني مؤسساتنا القانونية وسلطاتنا القضائية بناءً سليماً ومتيناً, وأن نزرع ثقافة القانون في عقول أبنائنا ومؤسساتنا الأخرى, فما فائدة الديقراطية المنفلتة من عقالها(ليس عقال عواد البندر ولا طه ياسين رمضان طبعاً), وإنّما عقال القانون الذي يؤطر الديمقراطية ويضبط حدودها ويوجهها التوجيه الصحيح.
وأخيراً أقول: إنّ الديمقراطية تبدأ بالقانون, وأساس القانون العدالة, فلتكن محاكمة الطاغية عادلة...كي تكون اللبنة الأولى في جدار دولة القانون. [/b][/size][/font]