مســامير مهـجرية
قصـة مدينتين
كمــال يلـدو
قصـة مدينتين ، تعتبر واحدة من روائع الادب العالمي ، كتبها تشـارليز ديكينز في القرن التاسع عشــر . لكن يعـود التأريخ ليكتبها مرة ثانية ، وهذه المرة في بلاد الرافدين .
الدجيل وحلبجة ، مدينتان عراقيتان في اتجاهات متعاكســة ، كانتا موجودتان على الخارطة ولكن قلة من العراقيين ســمعوا بهما قبل الاخبار .
مدينتان ، قريتان او قصبتان ، ســمهما ما شــئت ، لكن ارجوك ان تحفظ هذين الاســمين جيدا . هاتان المدينتان ، اراد بهما صـدام ان يجعلهما عبرة لكل العراقيين (( ليس بالتقدم والعمران والبناء )) بل عبرة بالاجرام والقتل والارهاب والدم .
نعـــم ، قتل عشوائي ، تجريف عشوائي ، قصف عشوائي وكل شـــئ عشــوائي .
نامت هاتان المدينتان .... وخيل لصـدام وهـو يســـتعد للاحتفال بعيد ميلاده الالــف ، انهما نســيتا ، وان جيـلا من ابناء الثورة ســـينشـــأ و ( كل شــي يكعد بمكانة) .
نعــم ، خيل له . وخيل لـه اكثر وهــو يمتطي فرســه الابيض مســتعرضا قواته ( الشــرسة ) في الاحتفالات ، او وهــو مرتديا بزتــه البضاء الفاخــرة مســتعرضا الاطفال المســاكين .
لكن ما لــم يحلم بـه صـدام ، بأن هاتين المدينتين اللتان دمرهـما وصــفى اهاليهما واراد لهما ان تكونا عبرة للعراقيين ، اضـحت عبرة لـه وليس لغيره . عــادتا من خلف الغيوم ومن بين النجوم ، وقام ابنائهما اليوم من قبورهم ودخلـوا قاعة المحكـمة . دخـلوا ليدينوه ، ويدينوا نظامه المتهرئ ، هذا النظام الذي عاش على اذلال العراقيين والتنكيل بخيرة بناته وابنائــه .
دخـلوا رافعين شــهادات الادانة ، ليس لصدام فحســب ، بل لفكـر البعث الشــوفيني المتعصـب ، ولكل الزعامات العربية المبهورة ببطل القادسية ، ولكل المتباكين على شــرعية هذه المحكمــة .
دخـلوا يحملون المشاعل ليكشــفوا عن قباحة وجـه جلادهـم المرعوب ، وليعلنوا لأ بنائهم وامهاتهم واهاليهم ان يوم العدالة قـد حان ، وان القصاص لابد لــه وأن يكون عـادلا .
يقينـا ، ان صــدام تحسـس رقبته اليوم اكثر من اي وقت مضــى ، فهــو محكوم بقضــية (( الدكيـل )) كما يلفظها بعض الاشــقاء العرب . ومعـه تحسـسـها ايضا الكثير من القتلة والمجرمين البعثيين ، وتحســســها منتســبي الاجهزة الامنية المهترئة والعديد من قادة وجـلادي ومرتزقة الدول العربية .
اليوم يوم صــاحبكم ...فما بالكم غــدا ... هل ســيكون لكم ايضــا !
الايتــام والشــرعية
مرة اخرى يعـود العراق ليكون محط انظار العالم . فمنذ تداعيات اســقاط الصـنم ، ثم القاء القبض على ( جرذ الحفرة ) ثـم بـدء محاكمته التأريخية .
هكذا تـدور الدنيا ، رجل حكم العراق وكان يحلم ان يحكـم المنطقة كلها ، وكانت ارواح الآف رهن اشــارة من اصبعــه الصغير . منـح لنفســه كل الالقاب العســكرية وغير العســكرية ، حمل النياشــين والانواط وارتدى اجمل البدلات العسـكرية وهـو لم يخدم في الجيش العراقي ولا ليوم واحــد ، بل كان (فرار ) كما يتندر العراقيين . بنــى القصـور وامتلك السيارات ولبس افخـم الملابس .
كـل هـذا بمرمــى الريــح !
هـا هـو اليوم ، يـدخل القـفـص الذي يليق بــه .
محكـة عادلة أم محكمة غير عادلة ، محكمـة شــرعية ام محكمـة غير شــرعية ، ام محكمـة في ظل الاحتلال ، كلام كثير نســمعه هنا وهناك ، فما هـي الحقيقة ؟
مشــكلة الغرور ، والاصابة بمرض داء العظمة تجعل المريض ان لايفهم بالحركة والتغيير ولا يؤمن بهما الا اذا كان هـو من يقود هذا التغيير ، اما ( صـاحبنا ) فـما زال لحد الآن يخضـع لتأثير المنوم القومي الجبار ...رئيس العراق ، والقائد العام للقوات المسلحة ( هـيّ وينهــة ) وبطل القادســية وام المعارك . .
القومجيون ، العربيون ، البعثيون وايتام النظام ، عراقيين ام عـرب ام اجانب ، ممن انتفخوا كثيرا من كوبونات النفط فقـد عزفوا لحنهم الميؤس منه ، محكمة غير شــرعية وغير عادلة ، وكأن العدالة لا تخرج الا من تحـت احزمتهم .
مـن منكم كان يتصـور بأن صـدام ســيبقى طوال هذه الفترة حيا بعد القاء القبض عليه ؟لا بل انه ســيظهر في المحكمة ، تصوروا، ومعه محام للدفاع ، والحاكم يســأله وهو يلوك بالكلام ! لقد كان يرتدي بدلة عصرية ، وقد تمكن من ان يغسـل وجهه ، وأن يأكل وأن يقوم طبيب بفحصه ، ويمارس القراءة في ســجنه ، لا بل قيل انـه يــزرع في ســجنه !!! نعم ايها العرب الاشــاوس ، وايها الايتام البائســين ، من منكــم ؟
من منكم ســمع عن معارض في ســجن عراقي او عــربي عــومل بهذه الطريقة ، ومنح حق الدفاع عن نفســه ، ام ان العمى الذي اصابكم افقدكم حتى بصيرتكم ولم تعودوا تريدون تصديق فضائح المقابر الجماعية والسجون السرية و ضحايا حامض الاســيد ام (مثرمة اللحم) في ســجن الكاظمية .
اذن مــن لــه الحـق بمحاكمة صـدام ؟
عائلة الشــهيد عبد الكريم قاسم
عوائل شــهداء انقلاب 8 شباط الاســود
عوائل الذين شــنقوا في الساحات العامة عام 1969
عوائل الوطنيين الذين زهـقـت ارواحهم منذ 17 تموز 1968
عوائل العسكريين ال (31) الذين اعدموا عام 1978
عوائل الوطنيين الذين اعدموا بعد عام 1979
عوائل القياديين البعثيين الذين اعدموا في تموز 1979
عوائل شهداء الحرب العراقية الايرانية
عوائل شهداء الدجيل
عوائل شهداء عشائر برزان
عوائل شهداء حلبجة
عوائل شهداء العشائر الغربية العربية
عوائل شهداء انتفاضة آذار الباسلة
عوائل شهداء الانفال
عوائل شهداء حرب الشمال
عوائل شهداء غزو الكويت
وعوائل كل الشهداء الذين يسقطون بأيدي الارهابيين وحتى اليوم
كبيرة هــي قائمة الاتهام ، ولا تســع اية قاعة محكمة في العالم لشــهودها ، رغــم ان الحكـم واحد .
اســفي على بعض العراقيين والعرب اللذين تعودوا على الجلـد والجلاديين ، على العصي والسياط ، حتى راحوا يتغنون بجلاديهم ولا يريدون لهم ان يكونوا في قفص الاتهام ( خشية ان ترتبك الصورة الرومانسية عندهم !)
فأن ادعائهم ببطلان هذه المحكمة باطل من اســاســه ، وان القضاء سيأخـذ مجـراه والقانون ســيحكم .
اما لو كنت محـل قاضي التحقيق او الحاكم ، لكنت قد اعلنت يوم المحاكمة يوم عطلة رســمية ، واتلـوا قائمة الاتهام على المتهم ، ثـم اخلي ســبيله ، وليكن يومـه مع الجماهير خارج مبنــى المـحكمة ...
ولنــرى بعـدهـــــــا .[/b][/size][/font]