كلام في السياسة
عادلون مع مَن لم يعدل
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com /الجدل الذي اندلع في مجالس العراقيين حول الطريقة التي جرت فيها محاكمة صدام حسين يوم التاسع عشر من الشهر الجاري له ما يبرره، موصولاً بالمعارف الشعبية المضطربة لِما ينبغي على الدكتاتور السفاح ان يسمعه من تعنيف وإذلال حيال جرائمه، ولِما ينبغي ان تكون عليه محاكم المستقبل، كمحاكم عادلة ومستقلة ونزيهة وغير ذي طبيعة انتقامية، حيث توزَّع الجمهور بين ساخط على المحكمة التي بدت، للوهلة الاولى، متسامحة مع قاتل مليوني من العراقيين بدم بارد، وبين متحمس لهذه الشفافية والاسترخاء اللذان يؤسسان لقضاء جديد يتعامل مع المتهم كبرئ حتى تثبت، بالبرهان، ادانته.
/ بين من يحتكم الى قسوة حاكم العراق بشر بن مروان الذي كان يأمر بتسمير ايادي(المتهمين) في حيطان قبل مقاضاتهم والحكم عليهم، ويرى ان صدام حسين يستحق مثل هذا المصير، وبين من يستعيد غضب الخليفة المعتضد على عمّاله عندما رآهم يستخدمون العنف لاستجواب بعض المتهمين، فصارخ فيهم:"اين حيلة الرجال؟" ويرى ان العالم سيعي، آنذاك، صورة العراق الجديد من خلال احترام قواعد العدالة في المحاكم.
/وفي كل الاحوال، يجرب العراقيون ان يحققوا عدالة سلفهم (اوروكاجينا) حاكم مدينة (لكش) في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، حيث ادخل كلمة (الحرية)كقيمة مطلقة في القوانين، لاول مرة في تاريخ الانسان، وجعل من القضاء مدرسة لصراع الحجج، لا مسلخا لجلود المتهمين، غير ان الكثيرين يذهبون الى القول"العدالة..نعم..لكن ليس مع لم يعدل" ويذهب آخرون الى الاعتقاد بان جلسة الاستماع الى المتهمين وتدوين اسمائهم وتقديم مطالعة المدعي العام ليس سوى مسرحية اراد بها الرئيس جورج بوش كسب الرأي العام الامريكي والاوربي لجهة نظام العدالة في العراق، وراح آخرون الى حيث جلد الذات بالاعتقاد اننا مغفلون، كفاية، بحيث يسهل على صدام حسين خداعنا هذه المرة كما في خلال اربعين عاما.
لكن عددا من المشاركين في الجدل اعتبروا بان القاضي رزكار محمد امين حقق نجاحا باهرا حين اظهر للعالم القيم الجديدة للقضاء العراقي كبديل عن محاكم صدام حسين الكيفية المتوحشة، مقابل آخرين تشككوا في شطارة القاضي رزكارعلى احتواء المسرحيات التي صمم صدام حسين على توليفها والخطب التي سيبرع في اطلاقها، وردّ آخرون قائلين ان الامر مضيعة للوقت: "اعدموه وأريحونا" وغيرهم احتجوا بالقول:"الله يسامحكم..صنعتم منه بطلا قوميا" وغير اولئك وهؤلاء قالت سيدة عراقية تابعت بانتباه وصبر وقائع جلسات محاكمة صدام حسين:"يكفي انه أدخل القفص" فرد ابنها مازحا وبلهجة مصرية: "بعد ايه!".
/ ويبدو اننا، إذ نواجه استحقاق التغيير في مجال القضاء، بحاجة الى مراجعة المسارات المعقدة لفكرة توفير الفرص الكاملة للغيرمهما ارتكب، هذا الغير، من جرائم، للدفاع عن نفسه ومناقشة وردّ الاتهامات الموجهة له (وصدام هو (غير) بمعنى النقيض للنوع البشري).
وسنجد في هذه المراجعة تلك المأثرة المعرفية والفلسفية التي سجلت باسم حركة المعتزلة حين وضعوا قيم العدالة في موجبات الخلق والخليقة، فاستفزوا خصومهم المحافظين الذين رموهم بخطيئة عدم التمييز في من اوجبوا عليه العدل، فتمسكوا بمقولتهم المدوية "ما لم يعدل مَن يقدرعلى العدل فقد استحق الذم" ويشاء رائدهم القاضي عبدالجبار ان يلخص فكرة العدالة بالقول "انها توفير حق الغير، واستيفاء الحق منه" ليضعنا على نهاية المقال، ومنه الى خلاصته: المحكمة العادلة، طريقنا الى القصاص من صدام حسين.
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com [/b] [/size] [/font]