الخلود في الديانات القديمة والفكر الإغريقي


المحرر موضوع: الخلود في الديانات القديمة والفكر الإغريقي  (زيارة 5759 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1792
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
              الخلود في الديانات القديمة والفكر الإغريقي

يوحنا بيداويد

ملاحظة
تم نشر هذا الموضوع في مجلة نوهرا، العدد 48، السنة الثامنة، 2007، ص 21 – 23، دار نوهرا للنشر، ملبورن، أستراليا
 

وجود الحياة في العالم الآخر كان قضية جوهرية أقلقت الإنسان منذ أقدم العصور. فما الزقورات المنتشرة في  وادي الرافدين والأهرامات في مصر  إلا شواهد حيّة لما كان يفكر فيه الإنسان. اختلفت فكرة الخلود والموت والحياة الأخرى بين شعوب العالم حسب دياناتهم وثقافاتهم وبيئتهم.

الخلود في الديانة الهندوسية
 الفكر الفلسفي في الهند متراكم في كتاب (الفيدا). وهي كتابات متنوعة بين العلوم الدينية والفلسفية والطبيعية. لكن أهم النصوص فيه هي الاوبانيشاد (800-500  ق.م) التي تحتوي على  شرح للنصوص الجوهرية للديانة الهندوسية مثل عقيدة الكارما والتناسخ والأفكار المتعلقة بالوحدة والمساواة بين اتمان وبراهما.  الديانة الهندوسية فيها شيء من الثنائية، فيشكل براهما  ماهية العالم وأصل كل الموجودات، واتمان هي الذات الفردية (النفس) التي لها خصوصية محددة والتي هي الأشياء الموجودة في الطبيعة تتحد بما ليس خاصاً بها، والذي هو خارج عنها (الروح في الديانات الأخرى) لتكوِّن الإنسان.
أن الذات (اتمان) يجب ان تمر في ( طريق الكارما) التي هي سلسلة من عمليات التناسخ كي ترتقي إلى مرحلة الوعي الكلي  للبراهما الذي هو الغاية الأخيرة  لكل إنسان عن طريق الزهد وزيادة المعرفة (السيطرة على الذات والتركيز)  لحين وصولها إلى المعرفة الكاملة، فتتحرر الذات من الحلقة المغلقة بين الولادة والموت ومن الألم الذي يرافقها في هذه المراحل، فحينها تذوب اتمان (الذات) في البراهما وتنتهي كما ينتهي النهر في البحر ويصبح بلا  اسم وبلا وجود، وسيقول ايتمان: أنا هو براهما.
 
الخلود في الديانة البوذية
في البوذية لا يوجد مفهوم الحياة الأخرى ولا يوجد مفهوم الإله العادل الذي يدين الإنسان لإعماله في الآخرة، لكن يوجد مبدأ النرفانا الذي هو نهاية مطاف لسلسة طويلة من عمليات الموت والولادة للإنسان لحين وصوله إلى درجة الكمال التي فيها يعي الإنسان ذاته لصعوده سلم الرقي عن طريق ممارسة الزهد والتنسك، ففي نرفانا تتوقف الرغبات (الغرائز) نهائياً وهي الحالة الطوباوية في الديانة البوذية.
الخلود في الديانة في الزرداشتية
يقال ان جذور فكر الديانة الزرداشتية هي من كتاب الفيدا الهندية، فمن هناك اتخذت الديانة الزرداشتية المبدأ الثنائي (الخير والشر). هنا يوجد  وضوح أكثر لمفهوم وجود قوة أعظم من الإنسان هي سبب الخلق وهي قوة الخير (الإله اخورا مازدا)   تقابلها قوة الشر (الإله اهريمان). تمر هذه الديانة  في تطور فكري عبر التأريخ إلى أن تصل  في المرحلة الأخيرة بأن الإنسان له الهيكل العظمي وكذلك له الروح، لذلك في نهاية الأمر، الإنسان معرض للحساب في العالم الآخر على سلوكه وأفكاره في هذا العالم، أن الذين اختاروا الشر سيعاقبون أما الأخيار يكون ثوابهم الخلاص والخلود.

الخلود في ديانات وادي الرافدين
في الديانات الكثيرة التي كانت منتشرة في وادي الرافدين هناك وضوح أكثر لوجود الآلهة في  العالم العلوي (أسطورة اتراخاسيس وأسطورة التكوين البابلية الشهيرة عن الإلهة تيامات). أن هذه الإلهة هي خالدة وهي تعطي الإنسان العطايا والنعم وتجلب الكوارث والموت له.
حيث نرى في أسطورة كلكامش الذي هو ملك مدينة أوروك، أن والدته إلهة خالدة ووالده بشراً فانياً، فأدرك كلكامش حقيقة: أنه لن يكون خالداً فكان غير مستقر في ذاته. ولأنه كان ملكاً ذو أخلاق بذيئة تستجيب الإلهة لابتهال سكان أوروك، فتخلق الإلهة (ارورو) البطل انكيدو الوحشي الذي يخسر المنازلة مع كلكامش. ولكن كلكامش يقرر أن لا يقتل خصمه فيصبحان صديقين. وكلكامش يريد أن يصبح خالداً، لذلك يقرر الذهاب إلى غابة الأرز لقطع أشجارها كي يصبح اسمه خالداً، فيقرر انكيدو مرافقته، وللقيام بهذه المهمة كان عليهما  قتل (خومبابا) حارس الغابة  الذي هو حيوان ضخم وقبيح. فيغضب الإله انليل فيطلب من والداه الإله (انو) معاقبتهما فيرسل الإله (انو) الثور مقدس لكن كلكامش وانكيدو يقتلا الثور المقدس أيضاً. فتغضب جميع الآلهة وتقرر عقد مجمع  مقدس لمعاقبة كلكامش وانكيدو لأنهما قتلا روحاً مقدسة، ولأن كلكامش فيه شيء من الروح المقدسة لا يمكن قتله فتقرر الآلهة بموت انكيدو، فتجلب عليه المرض وهكذا يموت انكيدو. بموت انكيدو بذلك الشكل الوحشي تقوم القيامة لدى كلكامش حينما صديقه الجبار فجأة يتحلل جسده ويتحول إلى ديدان بعد فساده. فيقلق كلكامش على ذاته وحياته ويبدأ بالبحث عن سر الحياة والخلود فيعود حزيناً إلى دياره، فقيِلَ له من قبل حكماء مدينته أوروك، لكي يصل إلى الخلود عليه أن يصل إلى الإنسان الوحيد الذي وصل الخلود هو (أوتنابشتم) الذي يعيش ما بعد بحر الأموات.

فيذهب كلكامش في هذا الطريق ويصل إلى أوتنابشتم وهنا يسرد (أوتنابشتم) عليه قصة خلاصه (قصة الطوفان) التي نجا منها هو وزوجته فقط. يستمر كلكامش بالإلحاح على أوتنابشتم لإعطائه سر الخلود، يرفض الأخير طلب كلكامش خاصة بعد فشله في الامتحان، لكن في أحد الأيام تعطف عليه زوجة أوتنابشتم وتدله إلى مكان وجود  نبتة الحياة وتخبره بأن النبتة موجودة في أعماق البحر. فيغطس كلكامش إلى أعماق البحر ويجلب هذه  النبتة ويقرر العودة إلى أوروك كي يجربها على شيخ مسن فيها كي يرى هل سوف يعود إلى شبابه. لكن في الطريق تسرقها الأفعى منه حينما كان يغتسل في بركة ماء. فيعود حزيناً إلى مدينته أوروك، وفي طريق العودة يرى السور العظيم الذي بناه، حينها قال في قرارة نفسه بأن عملاً عظيماً مثل بناء هذا السور أفضل طريقة لتخليد اسمه ومن ثم يموت كلكامش وتحزن مدينة أوروك عليه.

وفي أسطورة عشتار الشهيرة هناك العالم  العلوي (الأحياء) والعالم السفلي (الأموات) تنتهي الأسطورة بعقد اتفاق  بين عالم الأموات وعالم الأحياء بأن تعيش عشتار ستة أشهر في عالم الأموات وستة أشهر أخرى في عالم الحياة ولذلك حينما  تعود عشتار إلى العالم العلوي تنبعث الحياة في الطبيعة (فصل الربيع والصيف) وتزهو الورود وتتكاثر الحيوانات في الأشهر الستة الأخرى وفي الشتاء تتوقف الحياة ويغيم الحزن على الطبيعة.

الخلود في الديانات الفرعونية
 للحضارة الفرعونية آلهة عديدة لأنها مرت بثلاثة عصور طويلة تنتهي بحدود 332ق.م. ان الإله اوزيريس الذي هو إله الخصب وهو أله مملكة الممات أيضاً أُعيد إلى الحياة بواسطة زوجته ايزيس. ان التأكيد على وجود الحياة الأخرى هي من معالم الحضارة المصرية القديمة، حيث تتم محاكمة الإنسان في العالم الآخر كما يظهر في المخطط أعلاه. هنا يظهر اوزيريس قاضياً، وانوبس إله الموت يزن قلب الإنسان وفي الكفة الأخرى للعدالة توجد الإلهة معات. ويقوم الإله توت (إله القمر والحكمة) بتسجيل النتيجة. في نهاية المحكمة على الميت أن يقدم اعترافاً ويقدم تبريراً لما قام به من أفعال في العالم الأرضي.

الخلود في فكر الإغريق
عند الإغريق كانت بداية ظهور الفكر الفلسفي العقلي، المدارس الفكرية الإغريقية كثيرة ولكن أهمها هي فلسفة أفلاطون. حاول أفلاطون في نظريته الشهيرة (المُثل) إيجاد حل توفيقي بين فكر بارمنداس المادي الواقعي المستقر الغير قابل للتغير وبين فكرة هراقليطس الذي أمن بأن كل شيء في تغير مستمر بين الأضداد حينما قال قوله المشهور: «أنك لا تستطيع الاستحمام في نفس النهر مرتين!!». في نظرية المثل لأفلاطون نجد تشخيص واضح حول فكرة وجود النفس (الروح) التي هي أبدية والجسد الذي هو زائل. إذن هناك عالمان، عالم المثل الذي لا يتغير مستقر ابدي وعالم الواقع الزائف المتعرض للتغير والزوال. أن الجسد هو من عالم الواقع لذلك هو زائل، وأن الروح هي من عالم المثل لذلك هي أبدية. لذلك تتصارع الروح في هذا العالم مع الجسد (القبر) كي تتحرر منه وتعود إلى أبديتها. من هنا انطلق الفكر الميتافيزيقي الإغريقي الذي أثر على الفكر الإنساني عبر التاريخ كله.