عراقيون بالمراسلة
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com تزحلق الحرف (او) من نص للدستور العراقي يحدد من هو العراقي ليحل محله شقيقه حرف الـ(واو) من عائلة حروف العطف ليغيّر مجرى التفسير الفقهي والوضعي كليا، فمر الموضوع، من غير ما تعليق او اعتراض، على الرغم من انه القى الى المجهول، بجرة قلم، مصائر عشرات الالوف من العراقيين المتحدرين من اب عراقي (او) ام عراقية، وحرمهم من الانتساب الى العراق، بل وجعلهم عراقيون بالمراسلة من وراء الحدود، مرضاة- كما قيل لنا- لمعترضين من خارج الحدود هم اكثر غيرة على العراق.
أو-حسبما ذُكر- انه استباق لزيارة الامين العام للجامعة العربية، او، كما تسرب من معلومات، انه اجراء استهدف مغازلة مفاوضين من السنة العرب لكي يأتوا للمشاركة في العملية السياسية، فلم ياتوا، وعُلقت جريرة نحر حقوق العراقيين المولودين من اب عراقي أو ام عراقية على عاتق" الذي يأتي ولا يأتي" إن كنا قد صدّقنا رواية استرضاء السنة العرب، او المغيبين، او الغائبين، او ممثلي ابناء المناطق الغربية، او مقاطعي الانتخابات، وهي التوصيفات التي ترد في السياقات الاعلامية اليومية.
الغريب في الامر يتمثل في انه لم تجري معاينة التعارضات بين النص الجديد الذي عُدّل في الربع الساعة الاخير من رحلة كتابة الدستور وسياقات الدستور الاخرى، حيث يؤكد متخصصون وقانونيون ان ثمة احكام عديدة تساقطت مع سقوط الصيغة السابقة، وبخاصة ما يتعلق منها بالنصوص التي تحترم الديانات العراقية واتباعها وتشريعاتها، عدا عن تعارضها مع الحقيقة الصارخة التالية: ثمة مليونين من العراقيين القى بهم صدام حسين الى ما وراء الحدود طوال ثلاثة عقود من حكمه.
وقد اقترن وتصاهر الكثير من العراقيين والعراقيات بغيرهم من مواطني دول الجوار او الدول الاخرى ما انتج جيلا يعد بمئات الالوف من الابناء القى بهم النص الدستوري المعدّل خارج تعريف العراقي، بل واغلق امامهم فرص العودة الى العراق، وهم عراقيون بجميع احكام الارض والسماء.
النص الاصلي في الدستور يعرّف العراقي كونه "يولد من ابٍ (أو) أم عراقية" ليصبح بعد التعديل الذي مرّ على المشرعين، مرور الكرام، كونه "يولد من اب(و)ام عراقية" والفرق بين النصين شاسع كالفرق، بين الاختيار والفَرْض، فان الـ(او) تنفع، نحويا، في التخيير، نحو(تذهبُ الى الاعلى أو الى الاسفل) فلا مفر من ان تختار احدهما، واحسب ان اصحاب النص الجديد، بقلب الـ(أو) واواً يعرفون جيدا الاحكام النحوية والاجتماعية الخطيرة لهذا التعديل.
والغريب انهم، على الرغم من هذا التراجع في المبادئ الانسانية وهذا النأي عن لوائح حقوق الانسان، لم يتعاملوا بحسن الظن مع العملية السياسية، حال الذئب في قصة لتشيكوف إذْ لاحق امرأة قروية كانت تنتقل مع اولادها الاربعة على زحّافة جليد، فهمّ بافتراسها مع اولادها، وبدل مقاومته صارت المرأة ترمي له اولادها واحدا واحدا لعله يشبع ويوفر لها احد الاولاد، فلما افترس آخرهم هجم عليها ليمزق اشلاءها في البرية لزوم حكمة عميقة تنفع اولئك الذين يعتقدون بان الانسحاب المجاني عن الحقوق قد ينفع في تطييب خواطر الذئاب. ـــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــــ
"التغابن، ان يغبن القوم بعضهم بعضا".
ابن منظور[/b][/size][/font]