وضاح..كفاك جيلان محمولان على سفر!
كفاح حسن
تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لإستشهاد أخي وضاح. لقد إختطف وضاح من بيننا و هو في غمرة نشاطه الدؤوب و عمله المتفاني الذي ماإنقطع عنه يوما، منذ وصوله إلى بغداد في ربيع 2003.
إن قتلة وضاح أقدموا على فعلتهم الشنيعة، بدافع من حقدهم الأعمى ضد كل مواطن عراقي يعمل بجد و نزاهة من أجل بناء عراق جديد، خال من الإستبداد و الإرهاب، عراق جديد يتآخى فيه أبنائه من مختلف المضارب و المشارب و القوميات و الأديان، عراق يمنح الأمان و الثقة لمواطنيه.
و لكن بجريمتهم هذه، أثبتوا مدى جبنهم و هزالتهم. فهم عاجزون عن أن يلجؤا إلى طريق الحوار و التفاهم في التعامل مع من يعارضونهم في الرأي.
إن العنف و القتل هما من الهمجية و التخلف المتبقية في مجتمعنا من قبل الأنظمة الإستبدادية المتعاقبة في المنطقة.
لقد أراد وضاح في بغداد أن يلجأ إلى لغة الحوار و الديمقراطية من أجل توحيد العراقيين و إنهاء الإحتلال الأجنبي للبلاد. و إنهاء عقود من الحكم الفردي الإرهابي، ببديل ديمقراطي عادل. لم يستطيعوا أن يواجهوه بنفس الإسلوب، فلجأوا إلى الغدر و القتل للتخلص من وضاح.
لقد شرفني و شرف عائلة وضاح مشاعر الحزن و الغضب التي أبداها الكثيرين، وهم يستمعون إلى خبر إستشهاده. ولكن أغضبتني الشماتة و السعادة التي أطل بها علينا موقع باقر إبراهيم على شبكة الإنترنت في يوم إستشهاد وضاح. حيث كتب أحد لقطائه مبتهجا بمقتل " عميل أمريكي"! و راح اللقيط نفسه ينسج قصصا وهمية لتشويه صورة وضاح، الذي تركنا و هو لا يملك سوى ما ورثه عن والدنا المرحوم من أموال و صفات حميدة. لم أكن أنتظر من باقر ذلك، سيما و إنه يعرف الشهيد جيدا. ألم يطلب باقر عبر أحد معاونيه من وضاح عام 1984 ترك قوات الأنصار و الإلتحاق بمنظمات الداخل السرية؟. و ما أن سمع وضاح بالطلب حتى هب مسرعا لتلبيته. و لم يكن هذا الطلب سوى مخادعة من جماعة باقر لسحب وضاح و غيره من بين صفوف الأنصار و جرهم نحو أفكارهم اليائسة و الخائبة.
و بعد فقداننا لوضاح حدث الكثير و الكثير من أحداث متسارعة وسط أصحاب وضاح. و عدد غير قليل منهم ينطبق عليهم قول الفارس الحمداني..
وفيت وفي بعض الوفاء مذلة لفاتنة في الحي شيمتها الغدر
و لكن عائلة وضاح و أنا نقف بإعتزاز وتقدير بالغيين إلى المساعدة و العون الكبيرين الذين قدمهما صديق العائلة العزيز فخري كريم ـ أبو نبيل ـ. حيث عمل بصمت و بدون صخب من أجل مساعدة العائلة بكل مايستطيع من أجل تخفيف وطأة فقدان وضاح. لقد عمل أبو نبيل بصمت و قدم الكثير. بينما تحدث الآخرين بصخب ولم يقدموا شيئا سوى الوعود.
إنني كأخ و كرفيق لوضاح أجد إن ثقلا كبيرا يقع على عاتقي في الوفاء لوضاح و للقضية النبيلة التي إستشهد من أجلها، تاركا خلفه إبنا يتيما يلوج حنينا لوالده، و زوجة مفجوعة، و أما ترزح بثقل المصيبة، و إخوانا جرحتهم المفاجأة و الذهول.
لقد وقف وضاح ضد الحرب و التدخل الأجنبي كوسيلة للتخلص من النظام الدكتاتوري الدموي، لما في ذلك من مخاطر على إستقلال ووحدة البلاد. و تؤكد الأحداث الجارية اليوم في البلاد صحة ذلك. فبتأثير من الإحتلال الأجنبي و تحطيم ماكنة الدولة العراقية، يعيش البلد اليوم في فوضى رهيبة، تنشر الذعر و اليأس بين مواطنيه.
وبعد سقوط بغداد، والإنهيار السريع للنظام، لجأ وضاح و رفاقه إلى العمل من أجل رص صفوف اليسار العلماني العراقي، ليكون له دورا في سير الأحداث، و للوقوف في وجه التيارات الطائفية و القومانية. و لكن الأحداث سارت في البلاد نحو تأطير دور القوى العلمانية و تهميشها. مقابل تعاظم دور التيارات الطائفية و القومانية التي تظمر العداء لوحدة البلاد و تلاحم أبناء شعبه.
لقد ترك وضاح كربلاء و هو لم يبلغ الثامنة عشر بعد، هربا من ملاحقة أزلام السلطة البعثية. و منذ ذلك اليوم و حتى إستشهاده لم يهدأ له بال ولم يسكن للراحة..فلقد كان دؤوبا على العمل و تسلم المهام، في وقت كان الكثير يتهرب منها أو يتقاعس عنها. كأن رصاص الغدر الذي مزق جسده أنقذه من دوامة العمل الشاق و المنهك، و يخاطبه بقول أبو فرات..
أرح ركابك من هم ومن كدر كفاك جيلان محمول على سفر
ستبقى يا وضاح راقدا في قلوب أهلك و أحبتك و أصدقائك
كفاح حسن
22ـ تشرين الأول ـ 2005
trekaf@msn.com[/b][/size][/font]