سيبويه .. ماذا يحدث في البصرة؟
عبدالمنعم الاعسم
جربت البصرة العيش تحت ظل سلاطين من البرابرة من حكم زياد ابن ابيه حتى آخر حكم لبرابرة العصر مسجل باسم صدام حسين، ولم تتوقف هذه المدينة السخية كثيرا عند السبب الذي جعل اولئك البرابرة يضمرون كراهية اسطورية لها، لكنها بدأت تتوجع الان من اعتداءات فظة، فقط لانها كانت تعتقد بان عهود الاذلال قد طويت مع طي صفحة سفاح المقابر الجماعية.
وآخر الموجعات هو الاعتداء الذي تعرض له رئيس اتحاد ادباء البصرة القاص المبدع مجيد جاسم العلي، ما يدفع الى وقفة اكثر من جادة، ليس، فقط، لأنه اعتداء على رمز ثقافي محلي له مكانته الاعتبارية، ولا لأن الحادث مسبوق بتهديدات وحملات ضد التفكير والابداع في البصرة وبعض الحواضر العراقية، ولا لأن الامر يستوجب الادانة والاستنكار من زاوية التعاطف مع حق الابداع المستقل واقامة منظمات المجتمع المدني، وليس لأن هذا الاعتداء يصب في خزانات الارهاب العفنة ومصادرها ودواماتها، بل لانه، ايضا، تفصيل صارخ وعياني لمشروع سياسي ظلامي يُعد لفرضه على الحياة العراقية، ربما ابتداء من البصرة.
وقد وجد تطبيقات حية له، هنا وهناك، من خلال التضييق على مساحة الادب والفن والتفكير، والامعان في احتواء حق الاجتهاد والابداع والاستقلال وسبل الترفيه والتسلية والسياحة والطرب وحتى الرياضة، ولم تكن سلسلة الاستدعاءات للمثقفين، واستخدام التعيينات والامتيازات للمناصب الحكومية في الاذلال والاستقطاب، وتكوين البطانات وفرق الحبربشية، ووقف خدمات المنافذ الاعلامية والتعليمية الحرة، وإدخال الهرطقة والدروشة في دورات التربية والتعليم، وتجهيل الشبيبة والنساء والعامة، وترويع الاسرة المتحضرة والامنة والمتعلمة وتركيعها امام لوازم التخلف، ورواج سوق شراء الذمم، والتخويف من المجهول..ليس كل ذلك إلا عناوين فرعية لمحاولات تركيع الجيل العراقي وشهوده وضميره امام مشروع الردة.
والاعتداء على رئيس اتحاد مدينة البصرة، كفاصلة في سلسلة من التعديات على اهل العلم والثقافة والاجتهاد، هو اعتداء على الاسم المهيب لهذه المدينة التي تنام تحت بساطها الرملي خزائن نفيسة من اروع مكنونات العلم والتاليف والاثار ومدونات التفكير واللغة ومضابط حركات التنوير والتجديد والمعارف، وهو، عدا عن ذلك، وسام آخر على صدر البصرة التي لم يكن لها ان تستدرج سيبويه الى دروبها وحلقاتها الصغيرة لو لم تكن مسكونة باسرار الابداع والتحدي، ولو لم تكن موضع حسد من الجهلة والهمج العابرين، بل وساحة صراع معهم.
يومها جلس(الصبي) سيبويه الى الفراهيدي ليضبط قواعد الكلام ويعرف مفاتيح العلم، وحين ساله سائل عما إذا يضايقه جهلة البصرة، فاجاب بالنفي وعذره ان الجهلة يخلقون نقيضهم، ويستفزون اسباب الابداع والسجال، ويدفعون الى تبليط المسالك الى اسرار العلم، ويومها عُرف ان على هذا الثغر ان يدفع عن العراق ضريبة الردة والجهالة، لكي يستفيق تاريخ هذه البلاد يوما على منجزات لها لون السمرة ونكهة الطيب وعمق الاجتهاد.
قال الشيح حماد معلم سيبويه اعطوني جهلة يساجلون اعطيكم علماء، ومصيبة البصرة ان جهلتها الان لا يجيدون السجال بالكلمة، بل بالهراوات، وليس من دون مغزى ان يتحالف همج المرحلة الصاعدة الى المجهول مع همج المرحلة النازلة الى الحضيض.
ــــــــــ
..وكلام مفيد
ــــــــ
"اشياء تدمر الانسان: السياسة بلا مبادئ".
غاندي
aalassam@hotmail.com[/b][/size][/font]