الكريستيان ساينز مونيتور:مسيحيو كنيسة القلب المقدس ببغداد شيّعوا "الكريسمس" في جنازة العيون الحزينة والقلوب المنكسرة
الحرب الأهلية هزّمت مليون مسيحي عراقي منذ الغزو والكنائس بدت فارغة في تراتيل أعياد الميلاد

شؤون سياسية - 25/12/2007
بغداد-واشنطن-الملف برس:
أكد مصدر مسيحي في العراق أن (ثلثي المسيحيين العراقيين) أي ما يقرب من مليون شخص قد هربوا من العراق جراء الحرب الأهلية وعمليات القتل والاختطاف والتهديدات التي تعرضوا لها في أعمالهم وبيوتهم وكنائسهم.
وشبهت صحيفة الكريستيان ساينز مونيتور احتفالات جرت في كنيسة القلب المقدس بالطقوس الجنائزية لا باحتفالات الميلاد السعيدة بسبب ما غشيها من حزن ساد أجواء الاحتفال بخطبته وتراتيله وموسيقاه وبالنظرات المنكسرة التي توحي بأحزان قلوب أصحابها على ما مر ويمر به العراق، بلد الأديان والقوميات واللغات والأعراق والحضارات المتعددة.
وداخل كنيسة ببغداد محروسة من قبل رجال ربضوا وراء أسلحة AK-47s, صدحت حناجر جوقة المنشدين بأغاني "الكريسمس" أو عيد ميلاد السيد المسيح باللغة العربية.
وثمة امرأة متشحة بثياب سود كانت تغطي عينيها، حزناً على من خسرتهم في الحرب، أو ربما لتستذكر أناساً أعزاء في هذه المناسبة الجميلة. وفي الوقت نفسه كانت بنت ترتدي ملابس حمراء قانية، وجوارب وحذاء يتناغمان في اللون مع ملابسها، تنظر الى الأرائك الطويلة في الصفوف الأخيرة التي كانت فارغة تماما.
وعلق على ذلك (يوسف هانا) أبرشي الكنيسة قائلاً: "السنة الماضية كانت الكنيسة مليئة بالناس. الكثيرون جدا منهم هربوا الى الشمال، أو غادروا البلد بأسره".
وكنيسة القلب المقدس ليست أكبر الكنائس في العراق، أو أنها تجمع أكثر المسيحيين. فهي كنيسة تقع في أحد الأحياء السكنية المتوسطة الحال بمدينة بغداد. بناؤها اعتيادي ببرجها البارز في المكان وبمدرسة صغيرة مجاورة لها.
لكن أولئك الذين جاءوا الى كنيسة القلب المقدس ليحتفلوا عشية أعياد الميلاد، كانت أمارات حزنهم تختلط بأمارات بهجتهم بهذا اليوم الجميل. وعلى الرغم من التحسن النسبي في أوضاع العراق الأمنية، التي كانت مناسبة لحديث كهنة الكنائس على امتداد البلد عن الأمل في التغيير، فإن كاهن كنيسة القلب المقدس ركز في خطبته على استمرار الكفاح.
تقول صحيفة الكريستيان ساينز مونيتور: لقد عومل المسيحيون في العراق بشكل سيء منذ أن سقط نظام الرئيس السابق صدام حسين، حيث هوجموا في بيوتهم وأعمالهم وفي كنائسهم بشكل متكرر. ويقدر بعض الكهنة المسؤولين أن (ثلثي المسيحيين العراقيين) أو ما يقدر بـمليون مواطن قد هربوا. وكان الحضور هذه السنة في كنيسة القلب المقدس ببغداد شاهدا نموذجياً على ذلك. وعلى الرغم من أن حفنة منهم قد عادوا مؤخراً من الخارج، فإن 120 شخصاً فقط حضروا احتفالية أعياد الميلاد من أصل 400 شخص كانوا يحضرونها في الأعوام السابقة.
وتروي الصحيفة كيف بدأ الاحتفال بالتراتيل التقليدية. وأدت الجوقة الغنائية بعضها باللغة الآرامية وهي لغة السيد المسيح. وكلها تذكر بتاريخ التجمع المسيحي الأكبر في العراق قبل 2000 سنة وبتاريخ الكلدانيين وبكنيسة المناسك الشرقية التي تنتسب الى الكاثوليك الرومان.
وبدت الخطبة تقليدية جداً، حيث بدأت كما يفعل الكثيرون بعبارات طالما تتكرر في الكنائس "هذا يوم ليس ككل الأيام".
ثم عرّج الكاهن الى الكثير من الموضوعات المحلية. وتحدث عن التأثير السايكولوجي للعنف، وعمليات الاختطاف، وغياب فرص العمل. واستنكر الكراهية والأحقاد وشجب الانتقامات.
وقال الكاهن في خطبته: "يجب أن نكون إنسانيين مع بعضنا البعض". وأضاف: "إن العيش كمسيحي في هذه الأيام أصبح صعباً".
ومضى الكاهن في خطبته، ثم تساءل بعد لحظات: "لو أن الملاك جبريل عليه السلام جاء اليوم، وقال إن السيد المسيح سيولد من جديد. ما الذي نستطيع عمله نحن؟ هل نصفق أو نغني؟".
كان صوته الهادئ الخاشع كأنه يوجه الحديث الى ناس يحضرون جنازة وليس أفراحاً بأعياد الميلاد. وأجابت امرأة كانت تغطي رأسها بوشاح أسود، ولا يكاد أحد يسمع صوتها: "إننا سوف نطلب منه المغفرة".
ثم رفعت امرأة أخرى رأسها قائلة: "نحن نسأل عن السلام". ونظر إليها الكاهن نظرة حزن وألم قائلاً: "نحن دائماً نسأل الله كالمستجدين عن هذه القضية وتلك، لكننا لا يجب أن نفعل ذلك. علينا أولا أن نشكر الله لأنه أعطانا السيد المسيح. وقال: "أنا جئت إليكم لأعيش بينكم ولأعلمكم كيف تكونون عطوفين وكيف تكونون إنسانيين". كان الحاضرون يصغون باهتمام الى كل كلمة يقولها الكاهن.
ثم بعد أن أنهى الكاهن خطبته، كانت مجموعة من الحاضرين تسير على أنغام الموسيقى الهادئة، تتقدمها امرأة متشحة بالسواد، وبدت معها امرأة شابة جذابة. تحرّكوا ببطء في الممر الذي يتوسط قاعة الاحتفال، وهم يمشون على سجاجيد فارسية جميلة، على مقربة من شجرة عيد ميلاد صناعية في الزاوية مزينة بمصابيح حمر وخضر.
كان المرأة الحزينة المتشحة بالسواد تحرك خرز مسبحة خشبية في يديها، ولم يكن في نهايتها صليب مما جعلها تماماً كمسبحة إسلامية.
وقالت (ماري هناوي) 50 سنة: "رغم كل شيء ثمة أمل يراود النفوس" وأكدت أن مجيئها اليومي الى الكنيسة يجعلها سعيدة بصرف النظر عن الظروف في الخارج وعن الجدران التي ينتشر حولها الحراس.
ولكن حتى الأب (أو الكاهن في الكنيسة) لا يستطيع مقاومة أن يسأل الله للمساعدة. فقد أنهى خطبته بأن يطلب أن تملأ المحبة قلوب كل العراقيين: "نحن ندعو الله الى تحقيق المساواة والحرية ونهاية الحرب ونهاية الجوع. ونطلب من الله السلام للجميع".
http://www.almalafpress.net/index.php?d=143&id=48030