عظة عيد الميلاد 2007 : مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم

المحرر موضوع: عظة عيد الميلاد 2007 : مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم  (زيارة 1336 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل jamil dearbakerli

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 163
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
 

عظة عيد الميلاد 2007

كاتدرائية مار أفرام

                               مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم 

                                رئيس أساقفة حلب للسريان الأرثودكس

إنها ليلة مباركة، والعالم المسيحي كلهُ يُعيد إلى الأذهان ما ذكره الإنجيليون عن ولادة السيد المسيح في مغارة بيت لحم، قبل حوالي ألفي سنة.

وفي كل سنةٍ يواجه المسيحيون تحديات جديدة أمام عبارات الإنجيل التي تدعوهم ليكونوا لها مخلصين أوفياء أمناء بحسب ما يريده ربُ الكنيسة ومعلمُ المؤمنين. قال بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية : ولكن لما جاء ملء الزمان أرسلَ اللهُ ابنهُ مولوداً من امرأةٍ مولوداً تحت الناموس. ليفتدي الذين تحت الناموسِ لننال التبني 1. فهذا ملء الزمان الذي يتحدث عنه الرسول بولس ويصفه لنا الإنجيليون كل بأسلوبه.

فمتى الرسول يُعلن بقوله : أما ولادةُ يسوعَ المسيحِ فكانت هكذا... ولما وُلد يسوعُ في بيتِ لحمِ اليهوديةِ 2. ويرى مرقس البشير يسوع المسيح عندما جاء إلى نهر الأردن ويكتب عنه : في تلكَ الأيامِ جاءَ يسوعُ من ناصرةِ الجليلِ 3. أما يوحنا الرائي فإنه يربط بين الولادتين. يتحدث أولاً عن الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب بقوله : في البدءِ كانَ الكلمةُ والكلمةُ كانَ عندَ اللهِ وكانَ الكلمةُ الله. هذا كانَ في البدءِ عندَ اللهِ. كلُّ شيءٍ بهِ كانَ وبغيرهِ لم يكن شيءٌ مما كانَ 4. 

        أما عن الولادة بالجسد فكلماته في الإنجيل المقدس واضحة : والكلمةُ صارَ جسداً وحلَّ بيننا ورأينا مجدهُ، مجداً كما لوحيدٍ من الآبِ مملوءاً نعمةً وحقاً 5.

ويبقى لوقا البشير الأعمق في معلوماته عن ولادة يسوع المسيح. ففي الإصحاحين الأول والثاني من إنجيله، وبعد أن يُفصِّل لنا البشارة بيوحنا المعمدان، يتناول البشارة بميلاد يسوع المسيح بشكل دقيق، يحدد في وصفه الزمن الذي أُرسِل جبرائيل الملاك إلى مدينة في الجليل اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. وينقل بأمانة الحوار القصير الذي دار بين العذراء والملاك، فبينما نسمع الملاك يؤكَّد للعذراء مريم أن هذا يسوع سيملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ترددت مريم في رسالة السماء أولاً، وتساءلت كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً، فعلّل الملاك هذا الحدث الجلل بقوله : الروحُ القدسُ يحلُّ عليكِ وقوةُ العلي تظللكِ، فلذلكَ أيضاً القدوسُ المُولودُ منكِ يُدعى ابنَ اللهِ 6. ولكن لكي تكمل اللوحة التي رسمها لنا لوقا المصّور بريشته المعروفة، يدخل إلى مغارة بيت لحم فيكون شاهداً على ميلاد يسوع الطفل، لهذا يذكر شهود تلك الليلة، الملائكة أولاً الذين ظهروا مع الملاك المبشر الذي نقل البشارة للرعاة بقوله : لا تخافوا. فها أنا أُبشرُكم بفرحٍ عظيمٍ يكونُ لجميعِ الشعبِ 7، وبعد هذه البشارة سبّح جمهورٌ من الجند السماوي الله قائلين : المجدُ للهِ في الأعالي، وعلى الأرضِ السلامُ، والرجاءُ الصالحُ لبني البشرِ 8.

(2)

       اليوم سنقف مع بعضنا أمام الطفل يسوع المسيح، وسنرى ما معنى أن تحتفل الكنيسة بعيد الطفل يسوع، وعلاقة مريم العذراء أولاً، ثم يوسف البار بهذا الطفل. ثم رؤية الرعاة للطفل يسوع في المغارة، وبعدها شهادة المجوس في الطفل يسوع وقد جاؤوا من المشرق بعد أن رأوا نجمه في المشرق. ومن خلال المجوس سنتعرف على هيرودس وموقفه من الطفل يسوع وأطفال بيت لحم. وأخيراً الطفل يسوع وقد أخذه على ذراعيه سمعان الشيخ في الهيكل. كل هذه المشاهد الإنجيلية حدثت في سنتين وكان لكل مشهدٍ أكثر من موقف، وأخيراً علاقة الطفل يسوع بالأطفال عامةً.

لو تتبعنا علاقة مريم العذراء وخطيبها يوسف بالطفل يسوع، لوجدنا أن الاثنين قد مرا بتجارب صعبة جداً، ولولا يد الرب لوقع كلٌ منهما في ما لا يخطر على بالنا. فالعذراء مريم وهي تحاور الملاك، دخلت في حالة اضطراب وتوتر، أدّى إلى تفكير عميق ولو للحظة واحدة في التحية التي جاء بها الملاك من السماء، وكان من حقها أن تتساءل وهي تسمع بالحبل قبل أن تعرف رجلاً، كيف يكون هذا ؟ ولكن كان الزمن قصيراً جداً أمام هذا المشهد السماوي، فالعذراء مريم أدركت عمق رسالة السماء، فأحنت هامتها للرب موافقة على كلام الملاك، وعبّرت عن موافقتها عندما حيّرتها أليصابات التي رحبت بها بقولها : من أينَ لي هذا أن تأتي أمُّ ربي إليَّ ؟ 9 ففاهت بإلهام النبوة بذلك النشيد الذي افتتحته بقولها : تُعظمُ نفسي الربَّ وتبتهجُ روحي باللهِ مخلصي 10.

 (3)

ولو سرنا مع أمنا العذراء إلى تلك المغارة المتواضعة في بيت لحم، لوجدناها صابرة على كل حركة وقعت معها وأمامها في تلك الليلة. عندما استقبلت الرعاة وسمعت منهم عن شهادة السماء في هذه الليلة التاريخية بولادة الطفل يسوع، كان رد فعلها مباشر أن تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها. وبعد أربعين يوماً كان مشهدٌ آخر، لا يقلُ أهميةً عن المشاهد التي سبقتها، ذهبا معاً العذراء ويوسف بساطة متناهية إلى الهيكل لكي يتمما شريعة موسى بحذافيرها، وحملا معهما الطفل يسوع، وهدية الهيكل أي الذبيحة، كانت عبارة عن زوجي يمام أو فرخي حمام. ولكن المفاجأة كانت غير ما كانا يتخيلانه، الشيخ المسن البار التقي الذي كان ينتظر تعزية إسرائيل، وكان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب يظهر فجأة، قويٌ في بنيته، جريءٌ في حركته، مملوءٌ بالحيوية والنشاط، ويتقدم بخطى ثابتة، ويأخذ الطفل يسوع على ذراعيه، ويبارك الله ويقول : الآنَ تُطلقُ عبدكَ يا سيدُ حسبَ قولكَ بسلامٍ 11. ولكن سمعان تطلع إلى مريم وقال لها : وأنتِ أيضاً يجوزُ في نفسكِ سيفٌ. لتُُعلنَ أفكارٌ من قلوبٍ كثيرةٍ 12. وشاهدة أخرى كانت في ذلك الهيكل، وهي نبية، حنة بنت فنوئيل من سبط أشير، هي أيضاً وقفت وسبّحت الرب. والموقف الأخير قبل أن يظهر على نهر الأردن كان بين يسوع الصبي وأمه مريم كان له  اثنتا عشرة سنة عندما صعدوا إلى أورشليم كعادة العيد فاختفى، بينما يوسف ومريم عادا مسيرة يوم واحد ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم فوجداه بعد ثلاثة أيام في الهيكل، جالس في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم، فلما أبصراه اندهشا، ويقول لوقا البشير عن هذا المشهد الإنجيلي، وكانت أمهُ تحفظُ جميعَ هذهِ الأمورِ في قلبها 13.

(4)

إن تسليط الضوء على طفولة السيد المسيح يدعونا للتفكير بالتربية والتعليم، ومدى اهتمام الكنيسة منذ فجر المسيحية بهما لإنشاء أجيال مؤمنة، بما أراده الله للإنسان. والكنيسة تميز بين التربية والتعليم، وفي هذا المجال تتذكر تلك الجلسة النادرة في الهيكل يسوع المسيح الصبي ابن اثنتي عشرة سنة يجلس وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم. هنا يكشف الإنجيلي عن سرِّ لم يعرفه أحد، وهو أن يسوع يقرأ الناموس والأنبياء قراءة متأنية، ويستخرج من القراءة ما لم يخطر على بال المعلمين الذين جلس بينهم، بل يوضح لهم من لمسات الله الخفية ومقاصده العالية وكأنه يريد أن يقول لتلاميذه ولنا أن من واجبات الكنيسة مستقبلاًَ أن يُعيد النظر في قراءة الكتاب المقدس بدءاً من خلق الله للإنسان. هذه الصورة الإلهية التي هي أول صورة الخلق، فبعد أن أعطاه نسمة الحياة منحه سلطاناً على الطبيعة فاكتشف فيها من أسرار وقام بإعادة صياغتها، فكل هذه الحيوية التي تجلّت بعقل الإنسان، يجب أن تكون مستمرة لخدمة الإنسان، وعليه أن يبتعد في فكره وبعد نظره عن القوالب الجامدة التي تبعده عن المفهوم الحقيقي لواقع الكلمات الإلهية.

إن الطفل يبدأ حياته في انطلاق لا حدود له، فالتساؤلات الكثيرة التي يطرحها قبل أن يدخل إلى المدرسة هي دلالة على حرية الفكر عنده، ونرى عادة مجتمعاتنا بأساليبها التعليمية وكأنها تريد أن تقمع حركة الطفل وتفكيره في البيت والمجتمع، وتأتي المدرسة في بعض الأحيان بأساليبها التقليدية فتخلق شكّاً عند الطفل، وفي بعض الأحيان تخفف من وهج الانطلاق الذي يكون في داخله. ونحن من سيرة يسوع المسيح الطفل نرى أن هذا الأسلوب التعليمي لم يؤثر عليه، وإلاّ لما وجدناه وهو ابن اثنتي عشرة سنة يجلس في وسط المعلمين، ويسأل، ويحاور، ويجيب، ويفسّر، لمن ؟ للعلماء أي حكماء اليهود ومشرعي الناموس وكبار القياديين عند اليهود الذين جلسوا حوله كتلاميذ يسمعونه ويتعلمون منه.

(5)

إن التفافتنا  في يوم عيد الميلاد إلى الطفل يسوع يدعونا للتفكير بجدية بدور المدارس في تربية الأطفال.

موضوع الطفل والتربية أخذ حيّزاً من حياة يسوع المسيح العملية، فمرة عندما كان نازلاً من الجبل قدم إليه واحد من الجمع ابنه الذي كان به روح أخرس، فسأل أباه : وكم من الزمان أصابه هذا ؟ فأجابه منذ صباه، فانتهر يسوع الروح النجس قائلاً له : أيها الروحُ الأخرسُ الأصمُ أنا آمركَ أخرج منهُ ولا تدخله أيضاً 14، كان هذا طفلاً أحبه يسوع فشفاه. وامتدح يسوع الأطفال عندما شكر الآب رب السماء والأرض بقوله : لأنكَ أخفيتَ هذا عن الحكماءِ والعلماءِ وأعلنتها للأطفالِ 15. والإنجيلي لوقا بيّن الفرق بين التلاميذ ونظرتهم للأطفال ونظرة يسوع المسيح إليهم، فعندما قدموا إليه الأطفال ليلمسهم، انتهرهم التلاميذ، أما يسوع فانتهر تلاميذه وقال : دعوا الأطفالَ يأتونَ إليَّ، ولا تمنعوهُم لأن لمثلِ هؤلاءِ ملكوتَ اللهِ، الحقَ أقولُ لكم من لا يقبلُ ملكوتَ اللهِ كولدٍ فلا يدخلهُ 16.

(6)

لقد كانت فرصة سانحة أمام يسوع المسيح ليُعلن للعالم أن قامة الطفولة مقبولة لدى الله، وأن الأطفال بكل ما عندهم من بساطة ووداعة وبراءة هم أهلٌ ليدخلوا ملكوت الله. ولهذا نسمع بطرس الرسول أيضاً انطلاقاً من قول السيد المسيح يقول : من لا يقبل ملكوت الله كطفل فلا يدخله. يقول في رسالته الجامعة الأولى : وكالأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش لكي تنموا به أي أن نكون كالأطفال مولودين جدد للمسيح ولله راضعين اللبن العقلي عديم الغش 17. وينقل لنا الإنجيلي متى صورة الأعظم في ملكوت السموات ويقول : أن يسوع دعا إليه ولداً وأقامه في وسطهم وقال : الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثلَ الأولادِ فلن تدخلوا ملكوتَ السمواتِ. فمن وضعَ نفسه مثلَ هذا الولدِ فهو الأعظمُ في ملكوتِ السمواتِ. ومن قَبِلَ ولداً واحداً مثلَ هذا باسمي فقد قبلني. ومن أَعثرَ أحدَ هؤلاءِ الصغارِ المؤمنينَ بي فخيرٌ له أن يُعلقَ في عنقهِ حجرُ الرحى ويُغرق  في لجة  البحر 18.

كان يسوع المسيح كان يتحدث عن هذا الطفل المقياس لدخول ملكوت الله، فرأى في الطفولة الباب الوحيد للولوج للحياة الأبدية. لأنه رأى في عمقها الوداعة ونقاء القلب والطاعة والمحبة الصادقة والبراءة. وهذه صفات من يريد أن يكون عضواً في ملكوت الله. وهذا يذكرنا أيضاً بالحوار الذي جرى بين السيد المسيح ونيقوديموس عندما قال يسوع : إن كانَ أحدٌ لا يولدُ من فوقُ لا يقدرُ أن يرى ملكوتَ اللهِ 19، وظهرت دهشة نيقوديموس في موضوع الولادة الجديدة وتسآل: ألعل شيخ يقدرُ أن يدخلَ بطنَ أمهِ ويولدَ 20. المهم أن يسوع المسيح كان يتحدث عن الأولاد وأهميتهم بالنسبة لملكوت السموات.

(7)

لقد أصبح التعليم العام جزءاً مهماً من عمل الوطن. والمدارس التابعة للدولة والخاصة كلها تقوم بواجباتها لحماية الوطن من الآفات المتنوعة التي قد تأتي من هنا وهناك، ونشكر الله أن الاهتمام يزيد يوماً بعد يوم بمحو الأمية، وبأن لا يُقتصر التعليم على أبناء طبقة معينة في المجتمع. ولكن يبقى أن نميّز بين التعليم والتربية، ولا يجب أن نتجاهل دور كلٍّ منّا في العمل التربوي. فالمهّمشون في المجتمع يحتاجون إلى تنمية في الوعي لكي ينتقلوا من الهامشية إلى حياة الشركة الملتزمة، وهذا لا يحصل إلا إذا جعلنا الفكر والعمل من مقومات المنهج التربوي في المجتمع. الحياة ليست فقط أن يأكل الإنسان أو يشرب ويمتلك ويتسلّط. لقد ميّز السيد المسيح بين أولئك الذين كانوا في الأيام التي قبل الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون، وبين من سيكون في مجيء ابن الإنسان مستعداً للولوج إلى ملكوت الله. حينئذٍ يكونُ اثنانِ في الحقلِ. يُؤخذُ الواحدُ ويُتركُ الآخرُ. اثنتانِ تطحنانِ على الرحى. تُؤخذُ الواحدةُ وتُتركُ الأخرى 21. أو كما أشار اشعياء إلى أولئك المهّمشين في الحياة بقوله : فَهُوَذَا بَهْجَةٌ وَفَرَحٌ ذَبْحُ بَقَرٍ وَنَحْرُ غَنَمٍ أَكْلُ لَحْمٍ وَشُرْبُ خَمْرٍ! لِنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَداً نَمُوتُ 22.

وقد ردد بولس الرسول هذا الكلام عندما كان يتحدث عن القيامة، كأنه يوجه الكلام إلى من يهّمش نفسه في المجتمع. فلا يرى منفعة في العطاء، أو فائدة في الأخذ، أو فكراً في التفاعل في المجتمع، يعمل فقط ليعيش. يقول بولس الرسول : فما المنفعةُ لي. إن كانَ الأمواتُ لا يقومونَ فلنأكلْ ونشربْ لأننا غداً نموتُ. لا تضلُّوا. فإنَّ المعاشراتِ الرديةَ تُفسِدُ الأخلاقَ الجيدةَ، أصحوا للبرِ ولا تخطئوا 23.               

(8)

مادام الحديث يدور حول الطفل يسوع المسيح، لا بد من الإشارة على أن الطفل يمر عندنا في مراحل زمنية. فمن المهد إلى الطفولة المبكرة، فالمتوسطة، والمتأخرة وصولاً إلى المراهقة، فبلوغ الاكتمال والنمو، كل هذه المراحل تحتاج إلى رعاية يبذلها المجتمع كله والعائلة والمدرسة، في سبيل بناء جيل مؤمن بالله والوطن والإنسان، وفي كل هذه المراحل يجب أن تعمل كل الجهات من أجل أن يكتشف الطفل ذاته، فيبني نفسه من خلال السلوك المقبول بشكل خاص كمّاً هائلاً من القيم والأخلاق، ونحن نشعر أن عدم الالتفات إلى مجتمع يحاط بالقيم والأخلاق كأننا نضع لبنة في بناء الفساد الذي ينتشر في العالم كله. ويأتي الوالدان في الدرجة الأولى من الأهمية في البناء الصحيح للبنية الكامل الأهلية، البعيد النظر، القوي الفكر، إذا عرف الوالدان أن يكونا قدوة صالحة للطفل. فالمعاملة الجيدة للطفل تبعده عن المعاشرة السيئة أولاً وفي وضع صحي للتربية البيتية والمدرسية نبعده عن كل أنواع الانزلاق مستقبلاً. ودور الدين مهم جداً هنا، فمع التعاليم الصحيحة، والالتزام بأهداب الدين، وممارسة الفضائل والاهتمام بالأمور التقوية، وقراءة الكتب الدينية التي فيها ينبوع التعاليم الصحيحة كلها هي الضمان لإبعاد الطفل عن حالات الانغلاق والتقوقع والعيش ضمن المجتمع المنفتح على الآخر، والذي يقبل الآخر، ويدعو إلى العيش المشترك، انطلاقاً من هُوِّية الانتماء الصحيح أي الانتماء للوطن الغالي على كل فرد في المجتمع، لقد وضع العلماء المختصون بتربية الطفل أسساً لبناء عالم للأطفال خالٍ من الآفات، وبعيد عن الأمراض التي قد تصيب الأطفال خلال المنهاج التربوي، من المفيد جداً أن تستأنس العائلة بهذا المنهاج التربوي الذي يشجع لبناء مجتمع كامل فيه كل صفات العطاء والخدمة.

(9)

لو عدنا لحادثة ظهور يسوع الفتى في الهيكل والعتاب الذي حصل بين أمه مريم ويسوع المسيح لوجدنا أن البشير لوقا يختم هذا الفصل بقوله : ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة، وكان خاضعاً لهما 24.

إن رسالة الطاعة مهمة جداً بالنسبة للأطفال. فهذه بداية الطريق من أجل تدريب النفس على الطاعة، أليست الطاعة باب من أبواب الكرامة التي يقدمها الطفل لوالديه، وفي هذا تحقيق للوصية القائلة : أكرم أبكَ وأمكَ لِتَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ 25. فلا تحصل الكرامة دون الطاعة. الإنجيلي يقول أيضاً : أما يسوعُ فكانَ يتقدمُ في الحكمةِ والقامةِ والنعمةِ عندَ اللهِ والناسِ 26، وهذه الطاعة التي نحن ندعو إليها هي طاعة بالتفاهم لا بالقهر، وهي التي تؤكد احترام رأي الآخر أو احترام حرية الآخر، وهذا ما نجده في حياة يسوع المسيح العملية خاصة أمام المعجزات، وسؤاله الشهير للمتقدم بطلب الشفاء منها : الأبرص، والمخلّع.. وغيرهما. هل أنت تريد ؟ هل أنت ترغب ؟.

(10)

إن بناء الطفل بناءً صحيحاً مبنياً على القواعد والأساليب التربوية يجعلنا أن نتفاهم مع أطفالنا وأولادنا في القضايا التي تشغل بالهم، فإذا منح الوالدان خبرتهما الناجحة بالحياة والحب والإقناع نكون قد أبعدنا عن الأولاد مفهوم الآمر. رؤية الأخذ والعطاء في المجتمع هو أسلوب الحوار الذي ينبغي أن يسود في مجتمعاتنا، فلا تكون الشخصية عندنا مستقلة بالقمع أو بفرض الرأي، ولا بالأمور العصبية الأسرية والقبلية عند الطفل، وإنما النمو بالمعرفة. فيسوع الفتى لأنه كان خاضعاً لمريم ويوسف، ضمن الأصول المجتمعية في تلك الأيام، كان ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله. إن مجتمعنا قد غلفته آفات جديدة بعضها مستوردة من مجتمعات ليبرالية ابتعدت عن الدين وتعاليمه، واتخذت لها مفهوماً جديداً في الحياة لا يتماشى وروح هذه التعاليم السماوية منها : السطحية في الحياة التي تبعد الأطفال عن الجدية، وتدخله في عالم اللامبالاة والتوكل والتزلف والرياء والخوف بل في حالة تشنج وهوس وإغراق فيرفض الطفل الحكمة، ويتخلى عن الإيمان، ويشجب المنطق، ويُبعد عن نفسه كل معاني الألفة والمحبة والمودة، والعيش مع الآخر، وقبول الآخر، وغيرها من القواعد التي تولّد القيادات الناجحة، وتنمّي المواهب، وتخصب الكفاءات، وتشجع الموهوبين. إن التفاتنا في هذا اليوم بالذات أي في عيد ميلاد الطفل يسوع في مغارة بيت لحم إلى الطفل والطفولة، هو نتيجة إحساسنا بأن المجتمع يفقد رويداً رويداً معاني التربية الصحيحة للطفولة. بولس الرسول يمتدح التربية الدينية في الطفولة بقوله لتلميذه تيموثاوس : وأنكِ منذُ الطفوليةِ تعرفُ الكتبَ المقدسةَ القادرةَ أن تُحكمكَ للخلاصِ بالإيمانِ الذي في المسيحِ يسوعَ 27، ويرى أن سرِّ هذا الإيمان الراسخ هو رعاية الأم. وفي مكان آخر يؤكد بولس الرسول أن تربية الأطفال تربية روحية سليمة أمر أساس في خلاص الأم. يقول : ولكنها ستخلصُ بولادةِ الأولادِ، إن ثبتنَ في الإيمانِ والمحبةِ والقداسةِ مع التعقلِ 28، ونحن في الكنيسة نشدد على أن أهم شروط اختيار الأسقف والشماس هو أن يكون مدّبراً بيته بشكل حسن، وله أولاد يعيشون بالخضوع  بكل وقار صحيح. وبولس الرسول يوصي الأولاد بالطاعة لوالديهم في الرب ولكنه في الوقت ذاته يوصي الآباء أيضاً أن لا يغيظوا أولادكم ويفشلوا بل تكون تربيتهم بتأديبِ الربِ وإنذارهِ 29.

 المراجع الكتابية:

1- غلاطية 4 : 4                   
2- إنجيل متى 1 : 18 و 2 : 1     
3- إنجيل مرقس 1 : 9     

4- إنجيل يوحنا 1 : 1 - 3         
5- إنجيل يوحنا 1 : 14   
6- إنجيل لوقا 1 : 35

7- إنجيل لوقا 2 : 10               
8- لوقا 2 : 14           
9- إنجيل لوقا 1 : 43     

10- إنجيل لوقا 1 : 46 – 47
11- إنجيل لوقا 2 : 29   
12- إنجيل لوقا 2 : 35   

13- إنجيل لوقا 2 : 51             
14- إنجيل مرقس 9 : 25           

15- إنجيل متى 11 : 25 

16- إنجيل لوقا 18 : 16           
17- 1 بطرس 2 : 2               
18- إنجيل متى 18 : 3 ـ 6

19- إنجيل يوحنا 3 : 3   
20- إنجيل يوحنا 3 : 4             
21- متى 24: 38 ـ 44 

22- اشعيا 22: 13                 
23- 1 كور 15: 32 ـ 34       
24- إنجيل لوقا 2 : 51

25- خروج 20 : 12               
26- إنجيل لوقا 2 : 52             
27- 2 تيموثاوس 3 : 15

28- 1 تيموثاوس 2 : 15           
29- أفسس 6 : 2 ـ 5